مستجدات

حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة والحكامة القضائية



عرض من إعداد الطالب عبد الرحمان الباقوري وحميد أوهنا 

وحدة الحكامة القضائية ماستر القانون والممارسة القضائية 

تحت إشراف الاستاذ بنسالم أوديجا مدير مديرية الشؤون المدنية بوزارة العدل.

لتحميل العرض بصيغة pdf 

حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة والحكامة القضائية pdf

--------------------------------

شكلت فكرة العدالة أحد التساؤلات الكبرى التي شغلت الفكر الإنساني منذ الأزل، وفرضت نفسها كتحد حقيقي بوصفها مطلبا فلسفيا وسياسيا وأخلاقيا، فكانت بذلك حاضرة في مختف المجالات الدينية والسياسية والفكرية، باعتبارها مصدرا لكل المبادئ التي يسعى إليها الإنسان للوصول إلى الغايات المثلى من وجوده[1].

وإذا كانت مختلف النظريات الفلسفية نادت بالعدالة كسبيل لبلوغ الأمن بمختلف تجلياته،عبر تقديم أفكار ورؤى للارتقاء بالإنسانية، ولتجسيد علاقات عادلة بين الناس، إلا أنها اختلفت حول معايير تصورها وتفعيلها.

إدراك هذه الحقيقة، دفع الدول إلى العمل على بناء المؤسسات وسن التشريعات ووضع البرامج وإقرار الآليات لتحقيق العدالة، منطلقة في ذلك من التراكمات الفكرية والقانونية الكبرى التي أنتجتها مختلف الحضارات الإنسانية في سعيها نحو تحقيق التوازن بين حاجتين ملحتين، أولهما تهيئة نظام قانوني مترابط ومتماسك يهدف إلى تحقيق الاستقرار والأمن في المجتمع، وكل ما له صلة بالنظام العام، وثانيهما البحث من خلال القانون عن سبل ضمان حريات الأفراد وحقوقهم[2].

ونظرا لارتباط تطور الدول وازدهارها بمدى سيادة قيم العدل والإنصاف، حتى قيل قديما العدل أساس الملك، فقد سعت مختلف الدول المتقدمة إلى الاهتمام بوضع سياسات في مجال العدالة، وعملت على تقييمها بشكل دائم من أجل تحسينها، بغية النهوض بوضعية حقوق الإنسان وحمايتها[3]، فكان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكي لا يضطر المرء، آخر الأمر، إلى التمرد على الاستبداد والظلم[4].

ولما كان بديهيا أن يُعهد إلى القضاء حماية هذه الحقوق من كل تعد وانتهاك، فإنه بات ضروريا وضع ضمانات تكفل اللجوء إليه، وقواعد لضبط حسن سير و تصريف العدالة، وهو ما دفع مختلف الدول إلى التنصيص على ذلك في دساتيرها، من بينها الدستور الإسباني لسنة 1978 في تعديله الأخير لسنة 2011، في بابه السادس المعنون بالسلطة القضائية،[5]والدستور البلجيكي لسنة 2012 في الفصل السادس المعنون كذلك بالسلطة القضائية[6]، والدستور الأمريكي[7] لسنة 1992، أما في الدساتير العربية فهي الأخرى سارت على نفس النهج، إذ نجد الدستور المصري لسنة 2014 في الباب الرابع منه المعنون بسيادة القانون[8]، والدستور التونسي[9] لسنة 2014.

وعلى نفس النهج سار المشرع الدستوري بالمغرب، لكن بعد مسار طويل، ابتدأ مع دستور 1962، الذي استنكف عن التطرق لما له صلة بالمتقاضين وقواعد سير العدالة، واكتفى في الباب المتعلق بحقوق المواطن السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في الفصل 10 منه بإشارة طفيفة وعقيمة لقرينة البراءة[10]، وعدم التنصيص على استقلال القضاء كسلطة؛ ونفس السمات طبعت دستور 1970، و دستور 1972، وبالرغم من المراجعة الدستورية لسنتي 1992 و 1996، ظل الوضع كما هو عليه[11].

بحلول فاتح يوليو 2011، صدر دستور جديد شكلا  ومضمونا، أعطى اهتماما بالغا للقضاء وأسبغ عليه صفة السلطة، وتم تخصيص فرع مستقل ضمن الباب السابع المتعلق بالسلطة القضائية تحت عنوان حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة ابتداء من الفصل 117 إلى حدود الفصل 128 منه.

ولعالمية هذه الحقوق والقواعد، تضمنت مجموعة من المواثيق الاتفاقيات الدولية ما يؤكد أهميتها، من ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، الذي أكد على ضرورة كفالة الحق في المحاكمة العادلة، واللجوء إلى المحاكم، واستقلال القضاء وحيدته، وذلك في المواد من 7 إلى 11 منه، بالإضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، الذي أكد في مادته 14 على مجموعة من الحقوق والمبادئ المرتبطة بالموضوع.

وتجسيدا لأهمية حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة، فقد أكد جلالة الملك   على تلك الأهمية في خطابه بتاريخ 8 أكتوبر 2010، حيت جاء فيه : " وإننا نتوخى من جعل "القضاء في خدمة المواطن" قيام عدالة متميزة بقربها من المتقاضين، وببساطة مساطرها وسرعتها، ونزاهة أحكامها وحداثة هياكلها، وكفاءة وتجرد قضاتها، وتحفيزها للتنمية، والتزامها بسيادة القانون، في إحقاق الحقوق ورفع المظالم."

إن هذه الخطب الملكية وغيرها، كان أثر على مضمون دستور 2011، وليست وحدها، بل ساهت بجانبها مبادرات بعض الهيئات الوطنية من خلال تقاريرها، كتقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان لسنة 1994، والذي تضمن مجموعة من المقترحات من أهمها دعوته إلى النص في مادة مستقلة على قرينة البراءة، والحق في محاكمة علنية تتوفر فيها جميع ضمانات الدفاع، وأن تتم المحاكمة في أجل معقول[14]...، وكذلك توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة[15]، والتي دعت إلى ضرورة اعتبار جميع المتقاضين متساوون أمام القضاء، ولكل فرد منهم الحق في محاكمة عادلة تسودها العلنية والحيادية، والبت في آجال معقولة...

وفي يوم الثلاثاء 8 مايو2012، وبالقصر الملكي العامر بالدار البيضاء، تفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس أيده الله، بتنصيب الهيئة العليا للحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة، وبتاريخ 30 يوليوز 2013، أكد جلالته توصله بالميثاق الذي تضمن ستة أهداف رئيسة، منها ثلاثة أهداف رئيسة، يتعلق أولها بحماية القضاء للحقوق والحريات، وثانيها الارتقاء بفعالية ونجاعة القضاء، وثالثها، تحديث الإدارة القضائية وتعزيز حكامتها، وبين كل هدف وهدف تنضوي أهداف فرعية تروم النهوض بوضعية حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة.

 ضمن هذا السياق تظهر الأهمية العظيمة للموضوع، في كونه يرتبط بمجال ذي حساسية جد كبيرة، له صلة بالمواطن عموما والمتقاضي على وجه الخصوص، وسنحاول من خلالها – هذه الأهمية – تشخيص مظاهر الخلل في حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة، ومحاولة رصد النقاط الإيجابية للمستجدات التي طالت أو من المنتظر أن تمس هذه الحقوق وتلك القواعد بما يضمن حكامة قضائية[16].

وعليه فإلى أي حد ساهمت التشريعات الوطنية والمقارنة في النهوض بحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة بما يضمن تحقيق الحكامة القضائية؟

يمكن القول إن هذه المرجعيات بما تضمنته من مبادئ ومرتكزات، قد ساهمت في النهوض بحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة بما يكفل الحكامة القضائية، إلا أن تنزيلها بعض مقتضياتها على أرض الواقع لم يكن بالصورة المنتظرة، نظرا لما شاب هذا التنزيل من إكراهات ومعوقات.

 

ولدراسة هذا الإشكالية تم تقسيم البحث إلى مبحثين :

المبحث الأول : تشخيص وضعية حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة

المبحث الثاني : نحو منظور جديد لحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة في علاقتهما بالحكامة القضائية



[1] - ديفيد جونستون، مختصر تاريخ العدالة، تعريب مصطفى ناصر، عالم المعرفة، العدد 387، ابريل 2012، ص 7.

[2] - محمد أمين بن عبد الله، تأملات حول التطور الحديث لدولة الحق والقانون بالمغرب، مداخلة منشورة في سلسلة الندوات واللقاءات والأيام الدراسية في موضوع ذكرى الخطاب الملكي السامي ( بناء دولة الحق)، المعهد العالي للقضاء، مطبعة دار السلام الرباط، 2004، ص 78.

[3] -  LE ROY (etienne) , ^ Contribution à la refondation de la politique judiciere en Afrique Fra ncophone^ Africa Spectrum 1997, vol 32 , n3 P 311 ,327.

[4] - ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المعتمد والمنشور على الملأ بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 217 ألف ( د-3) المؤرخ في 10 دجنبر 1948.

[5] - بحيث نص الدستور الاسباني في المواد من 117 إلى 127 على مجموعة من ضمانات المتقاضين، منها وجوب تنفيذ الأحكام في الفصل 118 منه، ومجانية التقاضي في 119، وعلانية المحاكمات وشفوية الإجراءات وتعليل الأحكام، في الفصل 120، وتحمل الدولة المسؤولية عن أعمال القضاة.

[6] - ومما جاء في هذا الفصل النص على استقلال السلطة القضائية في المادة 151، وعلنية الجلسات والإجراءات وشفويتها، وتعليل الأحكام في المادة 149.

[7] - ومما جاء به الدستور الأمريكي فيما يخص الحقوق الأساسية نجد :

الحق الدفاع، الحق في اللجوء إلى القضاء، عدم رجعية القوانين، الحق في محاكمة عادلة وعلنية، والأجل المعقول في المحاكمات.

[8] - أبرز ما جاء به الدستور المصري في باب حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة نجد :

استقلال القضاء وحياده المادة 94، والحق في المحاكمة العادلة المادة 96، ومبدأ الشرعية 95، وكذلك قرينة البراءة والحق في الدفاع 96، الحق في التقاضي والأجل المعقول في إصدار الإحكام 97.

[9] - أبرز ما جاء به دستور تونس فيما يخص حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة نجد :

الحق في المساواة المادة 21، قرينة البراءة 27، استقلال السلطة القضائية 102، والحق في التقاضي في الفصل 116.

[10] - جاء في الفصل 10 من دستور 1962 ما يلي :

" لايلقيالقبضعلىأحدولايحبسولايعاقبإلافيالأحوالوحسبالإجراءاتالمنصوصعليهافيالقانون.

 

المنزللاتنتهكحرمتهولاتفتيشولاتحقيقإلاطبقالشروطوالإجراءاتالمنصوصعليهافيالقانون."

[11] - المقصود هنا هو أنه لم يتم الارتقاء بحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة إلى مصاف المبادئ الدستورية، بل كانت مضمنة في القوانين العادية، من قبيل قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية، وظهير التنظيم القضائي، وسيتم التفصيل في ذلك في حينه.

[12] - خطابصاحبالجلالةالمغفورلهالملكالحسنالثانيبمناسبةافتتاحالدورةالأولىللبرلمان :السنةالتشريعية 1963 – 1964، الرباط 18/11/1963، منشور بالموقع الرسمي لمجلس النواب http://www.chambredesrepresentants.ma/  ، تاريخ الاطلاع  10 نونبر 2018, 15.09.

[13] - خطاب فاتح مارس 2002 القي بالقصر الملكي بالرباط بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء، منشور بمجلة القضاء والقانون، العدد 145،ص 7 وما بعدها.

العدل في خطب ورسائل صاحب الجلالة، من سنة 1999 إلى 2011 ، منشورات وزارة العدل، مديرية الدراسات والتعاون والتحديث، قسم التواصل، ص166.

محمد الكشبور، إصلاح القضاء من خلال إصلاح محيطه، مقال منشور بمجلة المعهد العالي للقضاء، بناء دولة الحق بضمان سيادة القانون، سلسلة الندوات والأيام الدراسية بالمعهد العالي للقضاء، فبراير 2004 ص 107.

[14] - منشور بالموقع الرسمي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، www.cndh.ma تاريخ الاطلاع 30 يونيو 2018، 13.55.

[15] - توصيات منشورة بالموقع الالكتروني www.marocdroit.comتاريخ الاطلاع 30 يونيو 2018، 14.59.

[16] - من بين ما يدخل في مفهوم الحكامة القضائية، النجاعة القضائية، الفعالية في الأداء القضائي، المردودية القضائية.

سعسدالناوي، رفع النجاعة القضائية، مقال بمجلة منشورات محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، عدد خاص بالندوات المواكبة للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، غير منشورة، ص 34.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -