مستجدات

نطاق سلوك مسطرة التبليغ بالبريد المضمون ومسطرة القيم بين التحليل النصي والواقع العملي وتدخل قضاء محكمة النقض الإيجابي

 
مقال للاستاذ معاذ فخصي. 

محام بهيئة المحامين بالدار البيضاء. 

طالب بسلك الدكتوراه جامعة الحسن الثاني. 

====================

                                       

/ نطاق سلوك مسطرة التبليغ عن طريق البريد المضمون ومسطرة القيم بين التحليل النصي، والواقع العملي، وتدخل قضاء محكمة النقض الإيجابي /


لقانون المسطرة المدنية سبعة أضلعٍ من حديد ... ردد معي تعدادها لعلك تستفيذ و تفيذ.

و لا تنقص من أجزاءها شيئا و لا تزيد ... فتماسكها كعلاقة الجد بالحفيد 

مقال، تبليغ، دفوع ... تحقيق، حكم، طعن، ثم تنفيذ "


هكذا شاء - عبد ربه- ناظم هذه القصيدة المسطرية أن يضع قواعد التبليغ في رتبة متقدمة من رُتب الأضلع المتينة التي لا تقوم الدعوى المدنية بفهومها العام إلا بقيامهم،

فقيمة قواعد التبليغ لا يكاد يناقشها أي رجل قانون، إلا أن ردة الفعل اتجاهها تختلف بين مدرسة تقول بتعديل مقوماتها، و تحتج بمعاناة محامٍ عانى من كثرة الجلسات و مفوضٍ تعب من كثرة الانتقالات، و قاضٍ ملّ من كثرة التأخيرات و تراكم الملفات، و متقاضٍ احتجّ من ضياع الحقوق عبر استغلال ضعف التشريع المتعلق بالتبليغ مطية للتماطل و التسويفات؛ ليُجيب أصحاب المدرسة الكلاسيكية باندفاع دفاعا عن قدسية قواعد حقوق الدفاع و احترام مبدأ الحضورية و بت القاضي باقتناع، وصولا إلى ما يسمى في علم الاجتماع القانوني بعدالة الانتفاع. 


و من الإشكالات المطروحة في قواعد التبليغ؛ أحكام وضوابط الترتيب المسطري لهذه القواعد، و نطاق سلوك مسطرة التبليغ عن طريق البريد المضمون، و حالات اللجوء إلى مسطرة القيم، إذ تشهد منظومتنا القضائية اضطرابا كبيرا في ما يخص ذلك، و يختلف العمل اليومي بين محاكم المملكة، بل قد يختلف التوجه بين الشُعبِ في نفس المحكمة، مما يستوجب تحليل دلالات الفصل 39 من قانون المسطرة المدنية و تبيان مذاهب محكمة النقض و توجهاتها ... 

ما يمكن ملاحظته أولا من حيث الشكل، أن طول الفصول و تجميع مجموعة من الضوابط و الموجبات والقواعد في فصل واحد، يؤدي إلا خلط لدى الممارس، وملل للدارس، و ركاكة لواضع النص، فكان يستحسن أن تقسم قواعد الفصل 39 إلى فصول متعددة يتضح معها البيان، و ينال فيها المشرع بذلك الاستحسان. 

أما عن ضوابط سلوك مسطرة البريد المضمون، فيجيب عنها الفصل 39 في فقرته الثالثة التي تحيل إلى تحقق المشترط في الفقرة الثانية، إذ أنه حسب الفرتين المذكورتين يجب تحقق شرطين أساسيين :

١- عدم العثور على المعني بالأمر أو أي شخص آخر في موطن الطرف أو محل إقامته.

٢- إلصاق المكلف بالتبليغ إشعارا بالمرور في موضع ظاهر والإشارة إلى ذلك في مرجوع التبليغ. 

أما و إن لم يتحقق شرط منهما تلازماً، فلا موجب لسلوك مسطرة التبليغ عن طريق البريد المضمون، و للقاضي الصلاحية في إعادة التبليغ أو سلوك مسطرة القيم حسب الأحوال. 

أما عن ضوابط مسطرة القيم فقد أجاب عنها نفس الفصل في فقرته 7 و حدد لذلك ضابط أساسي و هو "أن يكون موطن أو محل إقامة الطرف غير معروف"

و هنا تظهر نقطة الاختلاف الأساسية ما بين سلوك مسطرة البريد المضمون و مسطرة القيم، إذ أنه إذا كان موطن الطرف المراد تبليغه معروفا و تعذر التبليغ لعدم العثور عليه هناك، فلا موجب لسلوك مسطرة القيم، عكس ما يُمارس في مجموعة من المحاكم يوميا، خاصة حينما يرجع طي التبليغ بعبارة "انتقل من العنوان" و يرجع مرجوع البريد بعبارة "لم يطلب"، و يبقى الفاصل الأساس والموضح المُرشد هو ما يضمِّنه المفوض القضائي في شهادة التبليغ، إذ يجب أن تكون العبارة الواردة هناك واضحة و مبينة و مسهِّلة للقاضي لاتخاذ الاجراء الملائم تكييفا و تفعيلا للفصل 39 من قانون المسطرة المدنية. 

كما أن الثابت من مقتضيات الفصل 39 -حسب توجهنا الخاص المتواضع و عكس ما اتجه إليه مجموعة من الباحثين- أن قواعده لا تعتبر قواعد تسلسلية و تراتبية يجب احترامها تراتبياً،  بل إنه برجوع مرجوع التبليغ بالملاحظة التي دوّنها المكلف بالتبليغ، تبقى آن ذاك مهمة جناحي العدالة، سواء عبر ملتمسات الدفاع، أو قناعة القاضي باتخاذ الإجراء المناسب الذي يستقيم و القواعد المذكورة، فإن اتضح أن الطرف المراد تبليغه معروف بعنوانه هناك، سواء بورود العنوان في عقد محل النزاع أو السجل التجاري الخاص بالشركة... لكن تعذر تبليغه، يمكن و الحالة هذه سلوك مسطرة البريد المضمون التي سينتج عن نتائجها و مرجوع البريد الذي يخصها إما سلوك مسطرة القيم أو اعتبار ملف القضية جاهزا، أما إن اتضح أن ملاحظة شهادة التبليغ تتضمن ما يفيد أن موطن الطرف أو محل إقامته غير معروف، فإنه و الحالة هذه يمكن مباشرة اللجوء إلى مسطرة القيم. 

فلا يمكن إذن أن ترجع شهادة التبليغ بعبارة أن المدعى عليه مجهول أو غير معروف بالعنوان و عنوانه غير معروف بوثيقة من وثائق الدعوى و يكون الإجراء الناتج عن ذلك سلوك مسطرة البريد المضمون - وكثيرة هي الحالات العملية لذلك- كما لا يمكن أن تكون هناك شركة تجارية معروفة بعنوانها المضمّن في سجلها التجاري وجميع وثائقها الإدارية و عند تعذر تبليغها بالبريد المضمون يتم سلوك مسطرة القيم في حقها - و كثيرة هي الحالات العملية في ذلك-.

و قد حاول قضاء محكمة النقض التدخل لإيضاح ما يمكن إيضاحه في هذا الباب و تحديد نطاق سلوك مسطرة البريد المضمون و مسطرة القيم و تفسير معنى العبارات التي ترد في شواهد التسليم و ما هي حالات اعتبار ذلك بمثابة عدم العثور أو اعتبار ذلك بمثابة الموطن غير المعروف. 

فجاء في أحد قراراتها : " و حيث أيدت المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه الحكم الابتدائي بعلة ( ان البنك المستأنف لم يحترم مسطرة التبليغ الواجبة المنصوص على إجراءاتها بمقتضى الفصل 39 من ق.م.م و لم يسلك مسطرة القيم بعدما رجعت شهادة التبليغ بملاحظة انتقل من العنوان الى مدينة مكناس حسب تصريح الجيران، وهو ما يعني أن موطن أو محل إقامة المبلغ إليه أصبح غير معروف وهي الحالة المقصودة بالفصل الآنف الذكر)، في حين مادام عنوان المطلوب معروفا وثبت انتقاله منه لجهة مجهولة لم يشعر بها الطالب، فإنه لا يمكن إثبات تبليغه بوسيلة أخرى غير ما ذكر، مادام أن تبليغه في مثل هذه الأحوال في مرحلة التقاضي لما لا يعثر على الطرف أو على أي شخص في موطنه أو محل إقامته، يتم بتوجيه كتابة الضبط له الاستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل حسب ما تمليه مقتضيات الفقرتين 2 و 3 من الفصل 39 من ق.م.م، أما التبليغ للقيم حسب الفقرة 7 من نفس الفصل فلا يعمل به إلا لما يكون موطن أو محل إقامة الطرف غير معروف، و في النازلة تم التبليغ بعنوان معروف مستمد من العقد المنشئ الالتزام و به رجع الطي بملاحظة انتقل صاحبه من العنوان، وهذه عبارة لا تبرر القول بأن عنوانه أصبح غير معروف، إذ و خلافا لهذا المنحى يعد عنوانا معروفا لأصل تجاري مرهون لم يثبت صاحبه لقضاة الموضوع أنه أدى أو عرض أداء ما بذمته حتى يدرأ عنه مسطرة تحقيق الرهن، فاتسم معه القرار بفساد التعليل المعتبر بمثابة انعدامه مما يعرضه للنقض. ( قرار محكمة النقض عدد 1/155  مؤرخ في 2013/04/18 ملف تجاري عدد 262/3/1/2012 منشور بالموسوعة الكاملة ل ق.م.م ص 131). 

كما جاء في قرار آخر لمحكمة النقض : " لكن، حيث إن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه التي رجعت لها رسالة الاستدعاء بواسطة البريد المضمون بملاحظة غير مطلوب، اعتبرت ضمنيا ان ذلك بمثابة توصل مادام أن الطالبة هي التي لم تسع إلى سحب الاستدعاء الموجه لها من مصلحة البريد، و من ثم لم تكن ملزمة بتنصيب قيم في حقها مادام ان هذا الإجراء لا يطبق إلا حينما يكون موطن أو محل إقامة الطرف المعني غير معروف، فلم يخرق القرار أي مقتضى والسبب على غير أساس" ( قرار محكمة النقض عدد 434/1 بتاريخ 18/09/2014 ملف تجاري عدد 902/3/1/2013 م.س) 

و قد نحت محاكم الاستئناف نحو نفس التوجه فجاء في أحد قراراتها : " و حيث خلافا لما أثاره الطاعن من كونه لن يستدع خلال المرحلة الابتدائية فانه و كما يتبين من أوراق الملف فإن الطاعن تم استدعاؤه لجلسة 26/12/2011  ورجعت شهادة التسليم بعبارة أن المحل مغلق وتم توجيه الاستدعاء بالبريد المضمون ورجع مرجوع البريد بعبارة غير مطلوب ولم تكن المحكمة بحاجة لتنصيب قيم في حق الطاعن لكون هذا الإجراء مشروط بأن يكون محل إقامة الطرف غير معروف، أو مجهول و هو غير الحالة المعروضة، مما يتعين معه رد هذا الدفع" ( قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء عدد 2145 بتاريخ 30/06/2014 م.س) 

و إذا كانت هذه القرارات و غيرها قد حاولت توضيح الأمر و تفسيره، فإن الواقع العملي للأسف يشهد خروجا واضحا عن هذه القواعد و خلطا كبيرا بين حالات اللجوء لمسطرة القيم و مسطرة البريد المضمون.

  

و تجدر الإشارة في النهاية إلى أن هذه القواعد مناطها الدعاوى في الموضوع دون الدعاوى الاستعجالية نظرا لطبيعة هذه الأخيرة و وقتيتها التي تجعل من غير المستساغ سلوك إجراءات ستطيل من أمد النزاع، و من أجمل القرارات التي جاءت في ذلك قرار محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء الذي جاء فيه: " وحيث إن مسطرة إيقاف التنفيذ هي مسطرة استعجالية و يمكن البت فيها دون توصل الأطراف في حالة الاستعجال القصوى وبالتالي لا يجوز التمسك بسلوك مسطرة القيم لتعارض ذلك مع طبيعة الدعوى الاستعجالية التي لا تتحمل طبيعتها الانتظار وبالتالي فإن احترام مسطرة القيم عند تعذر التبليغ وفقا لأحكام الفصل 39  من ق.م.م يسري على الدعوى الموضوعية دون الاستعجالية، و هذا ما سارت عليه محكمة النقض في قرارها عدد 473 بتاريخ 31/3/2011 ملف عدد 10/1754" ( قرار عدد 5019 بتاريخ 12/10/2015 رقم 4201/8225/2015 م.س ). 


و الله أدرى و أعلم

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -