مستجدات

رسالة: دور النيابة العامة في حماية الحقوق والحريات الأساسية. (تحميل)


 من إنجاز الطالب الباحث محمد العطلاتي.


تقرير حول موضوع الرسالة: 

     إن حقوق الإنسان ھي ما یجب الاعتراف بھ للإنسان من حقوق مقدسة خالدة تحمیھا الطبیعة الإنسانیة كحد أدنى، وتفرضھا لزاما، كضمان لحریة الأفراد من تحكم الدولة واستبدادھا، فھي مجموعة من الحقوق التي لایجوز التنازل عنھا باعتبارھا تمثل الحد الأدنى اللازم للحفاظ على إنسانیة الإنسان، وكرامتھ المتأصلة في حد ذاتھا حیث إن تلاقي الإجراءات الجنائیة بفكرة حقوق الإنسان لیس بالأمر المستغرب، ذلك أن الھدف الأسمى لما نسمیھ بالإجراءات الجنائیة ھو صیانة جملة الحقوق التي تعترف بھا القوانین الوطنیة و المواثیق الدولیة لحقوق الإنسان من حیت كونھ إنسانا .

   كما أن القضاء سلطة أساسیة لإقرار التوازن بین استتباب الأمن القضائي، وتأمین السلم الاجتماعي، وإحقاق العدل بین الأفراد والجماعات، أي لتحقیق معادلة بین حق الفرد في التمتع بمختلف الحقوق والضمانات، التي یقررھا القانون، وبین حق المجتمع في الحفاظ على قیمة الاجتماعیة ، ومقوماتھ الأساسیة، والحؤول دون المساس بھا.

وتعد السلطة القضائیة مقوما من المقومات الأساسیة لدولة الحق والقانون، ذلك أن ضمان سیادة القانون رھین بوجود مؤسسة قضائیة قویة وفعالة، قادرة على التطبیق السلیم والعادل للنصوص القانونیة في إطار الشفافیة والمساواة.

وعند الحدیث عن ضمانات حقوق الإنسان، تأتي النیابة العامة على رأس المخاطبین باحترام الشرعیة الإجرائیة، بما یوجب علیھا التیقن من أن الإجراء الجنائي الماس بحریات الأفراد، على أنھ لا تتكشف لنا حقیقة الصلة بین الإجراءات الجنائیة وحقوق الإنسان إلا عند تحلیل الضمانات القانونیة المقررة الأفراد وھكذا یمكننا القول أن التنظیم الدقیق لعمل النیابة العامة في علاقتھا بالحقوق الأساسیة للأفراد، ھو استكمال لھیكل دولة القانون التي ینظر فیھا للإجراءات الجنائیة كأحد آلیات حمایة حقوق الإنسان، وتلتزم فیھا النیابة العامة خلال ممارستھا لمھامھا بكافة عناصر وأركان الشرعیة الإجرائیة ، وعلى رأسھا أصل البراءة في الإنسان ولو كان متھما، وقاعدة أن القانون مصدر للإجراءات الجنائیة  حیث تؤدي النیابة العامة في دولة القانون دورا فعالا وغایة في الأھمیة في الحفاظ على الدیمقراطیة وسیادة القانون، إضافة إلى حمایة الحقوق والحریات.

 

ویعتبر جھاز النیابة العامة من أعرق المؤسسات في تاریخ الأنظمة العدالة، یرجع les gens du roiأصلھا إلى ما قبل القرن الرابع عشر، حیث كان رجال الملك في فرنسا أو محامو الملك أو نوابھ ) یمثلون الدولة أمام القضاء. وقد استمدت النیابة العامة اسمھا من ذلك البساط الخشبي الذین كان یعقد علیھ ممثلوھا في باحات المحاكم، قبل "Parquet" أن ینتقلوا إلى منصة القضاء لیتربعوا علیھا بإعتزاز إلى جانب القضاة .

وأخذت النیابة العامة شكلھا التنظیمي الحالي في عھد نابلیون بونابرت، واستطاعت أن تصمد في وجھ المعارك القانونیة والحقوقیة الداعیة إلى إلغائھا، وأصبحت الیوم تشكل جزء أساسیا من مكونات المحاكم، وقطب الرحى في سیر العدالة في جمیع الأنظمة القانونیة الكبرى رغم اختلاف موجھاتھا العامة على مستوى النظامیین اللاتیني الجرماني والأنجلوسكسوني .

فقد قرر المؤتمر الدولي لقانون الجنائي المنعقد في لاھاي عام 1964 أن الوظیفة التي تتولاھا النیابة العامة تنطوي على مسؤولیة إجتماعیة كبیرة، وھي حمایة النظام الاجتماعي والقانوني الذي أخل بھ ارتكاب الجریمة، ویتعین علیھا أن تمارس وظیفتھا في موضوعیة وحیادیة، مع مراعاة حقوق الإنسان. كما یتعین علیھا أثناء مباشرة مھامھا أن تستھدف في إعادة تھذیب وتقویم الجاني، وفي ھذا المعنى أشار جانب من الفقھ إلى مھمة النیابة العامة بقولھ إنھا تتحقق بالتعاون مع القضاء في إظھار الحقیقة والبحث عن المتھم الحقیقي، ولیس بمجرد إلصاق الاتھام بأي شخص.

و من المعلوم أن الأمم المتحدة سبق لھا من خلال لجانھا أن عملت على إصدار مجموعة من المواثیق الدولیة التي تھم عمل النیابة العامة، إما بصورة مباشرة أو بصورة غیر مباشرة. فمن الخطوات الھامة التي اتخذتھا الأمم المتحدة في شأن إبراز المعاییر المعتمدة في عمل النیابة العامة، نجد المبادئ التوجیھیة بشأن دور أعضاء النیابة العامة، والتي اعتمدھا مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجریمة ومعاملة المجرمین، المنعقد في ھافانا من 27 غشت إلى 7 شتنبر 1990 ، والذي قدم مجموعة من التوصیات والمبادئ أصبحت إلى حد بعید ملزمة للدول الأعضاء، كما یظھر من الفقرة الأخیرة من دیباجة الاتفاقیة، والتي نصت بالحرف على ما یلي : "إن المبادئ التوجیھیة الواردة أدناه، التي أعدت لمساعدة الدول الأعضاء في مھامھم المتمثلة في ضمان وتعزیز فعالیة أعضاء النیابة العامة وحیادھم وعدالتھم في الإجراءات الجنائیة، وینبغي أن توضع في الاعتبار وتحترم منجانب الحكومات في إطار تشریعاتھا وممارستھا الوطنية.

حیث إن شعوب العالم تؤكد في میثاق الأمم المتحدة، في جملة أمور، عزمھا على تھیئة ظروف یمكن في ظلھا أن تسود العدالة، وتعلن أن من بین أھدافھا التعاون الدولي في تعزیز وتشجیع احترام حقوق الإنسان والحریات الأساسیة، دون أي تمییز بسبب العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدین، حیث إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ینص على مبدأ المساواة أمام القانون، وافتراض البراءة، والحق في محاكمة عادلة وعلنیة أمام محكمة مستقلة ونزیھة .

وقد أكدت مبادئ ھافانا بأن قضاة النیابة العامة یضطلعون بأدوار حاسمة في إقامة العدالة، ولتحقیق ھذه الغایة یتعین أن یكون أعضاء النیابة العامة من ذوي النزاھة والكفاءة وحاصلین على تدریب ومؤھلات ملائمة، وأن یؤدوا مھامھم باستقلالیة وتجرد ودون مضایقة أو تدخل في اختصاصاتھا، وحیث إن مؤتمر الأمم المتحدة السادس لمنع الجریمة ومعاملة المجرمین طلب، في قراره 16 ، من لجنة منع الجریمة ومكافحتھا أن تدرج ضمن أولویتھا مبادئ توجیھیة تتعلق باستقلال القضاء واختیار القضاة وأعضاء النیابة العامة، وتدریبھم مھنیا، ومركزھم .

إن نظام النیابة العامة كما ھو مطبق أمام المحاكم المغربیة حالیا لیس ولید تقالید قضائیة مغربیة صرفة، بل ھو من ضمن الثراث القانوني الذي حملتھ لنا فرنسا باعتبارھا دولة حامیة للمغرب ابتداء من معاھدة فاس المبرمة في 30 مارس 1912 .وقد دخلت ھذه المؤسسة أول مرة إلى المغرب بمقتضى ظھیر 12 غشت 1913 المتعلق بالتنظیم القضائي للحمایة الفرنسیة بالمغرب، غیر أنھا لم تتعد في ذلك الوقت المحاكم العصریة الفرنسیة بسبب ثنائیة التشریع الجنائي، لكن سلطات الحمایة سرعان ما تنبھت لأھمیة مراقبة المحاكم التي لا تخضع لنفوذھا، وتم لھا ذلك بواسطة المندوب المخزني، والمندوب الحكومي، ھذین الموظفین اللذین عملت على توسیع مھامھما فیما بعد بنصوص لاحقة، جعلت كلھا في خدمة السیاسة الاستعماریة .

وإثر حصول المغرب على استقلالھ، وسعیا إلى تحقیق الحریة و الدیمقراطیة، بادر إلى وضع قانون المسطرة الجنائیة المغربي بتاریخ 10فبرایر 1959 ، الذي جاء نقلا حرفیا  مع، إدخال بعض التعدیلات الطفیفة  لمقتضیات قانون المسطرة الجنائیة الفرنسي لسنة 1958 ناسخا بالتالي مھام النیابة العامة كما في القانون الفرنسي، والذي اعتبر على علتھ مكسبا مھما في الحقل القانوني المغربي، عرف بعد ذلك مسلسلا من التعدیلات خلال ھذه المدة بلغت نحو العشرین، واختتمت بسن القانون 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائیة كما تم تعدیلھا وتتمیمها بمقتضى القانون رقم 23.05 والقانون 24.05.

أما في وقتنا الحاضر، فقد شھد المغرب إصلاحات تھم السلطة القضائیة، وبالأساس جھاز النیابة العامة، حیث عمل على فك ارتباطھا بالسلطة التنفیذیة بشكل مطلق أي عن وزیر العدل، وذلك بعد إصدار القانون 33.17 ، والمتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومیة المكلفة بالعدل إلى الوكیل العام للملك لدى محكمة النقض بصفتھ رئیسا للنیابة العامة، وسن قواعد تنظیم رئاسة النیابة العامة، وذلك إیمانا من المشرع المغربي من إزالة أي مداخل لشبھة تقاطع السیاسي مع القضائي، إضافة إلى مرجعیات أخرى متعددة فرضتھا الظرفیة الحالیة ببلادنا، والتي ارتقت بالمغرب إلى مصاف الدول الرائدة والحاكمة للاستقلال التام للسلطة القضائیة عن السلطتین التشریعیة والتنفیذیة، وذلك بإرادة ملكیة حكیمة لجلالة الملك محمد السادس .

وعلى إعتبار أن المغرب جزءا لا یتجزأ من المنظومة الدولیة، كان وما یزال عضوا فاعلا بالمنظمات الدولیة، وملتزما بمقررات الإعلانات والمواثیق الصادرة عن تلك المنظمات و الھیآت. ومن أجل ذلك، فقد كان الھم المتواصل للدولة المغربیة یتمثل في كیفیة جعل منظومة القانونیة متناغمة ومتساوقة مع ما لتزم بھ المغرب بإرادتھ السیادیة أمام المنتظم الدولي، وعلى رأس ذلك تأھیل القضاء، وتحدیث المنظومة التشریعیة بما ینسجم والدور الذي یتعین أن تلعبھ تلك المنظومة ویقوم بھ القضاء.

 

وقد نصت توصیات الھیئة العلیا للحوار الوطني حول الإصلاح العمیق والشامل لمنظومة العدالة اعتبرت أن أحكام الدستور أقرت بجلاء استقلال السلطة القضائیة عن السلطتین التشریعیة والتنفیذیة، ویجب فصل النیابة العامة عن السلطة التنفیذیة وإسناد رئاستھا إلى الوكیل العام للملك لدى محكمة النقض، مع تخویل وزیر العدل صلاحیة إعداد السیاسة الجنائیة التي سیتم إقرارھا من طرف السلطات المختصة .

رغم أن ھذه المرحلة قد أسس لھا دستور فاتح یولیوز 2011 ، فإن تنزیلھا على أرض الواقع لم یتم إلا في سنة 2017 نتیجة لصدور القانونین التنظیمیین للمجلس الأعلى للسلطة القضائیة والنظام الأساسي للقضاة .

و تتمیز النیابة العامة في بلادنا بأنھا جزء من السلطة القضائیة، ومؤسسة دستوریة منصوص علیھا في الفصول 110 و 116 و 128 من دستور المملكة 18 ، حیث نص الفصل 110 من الدستور على أنھ : " یجب على قضاة النیابة العامة تطبیق القانون . كما یتعین علیھم الالتزام بالتعلیمات الكتابیة الصادرة عن السلطة التي یتبعون لھا "كما نص الفصل 116 من الدستور على أنھ " یراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائیة، في القضایا التي تھم قضاة النیابة العامة، تقاریر التقییم المقدمة من قبل السلطة التي یتبعون لھا " 19 .حیث تشكل النیابة العامة ركنا أساسیا داخل الھرم القضائي المغربي القائم على مبدأ استقلالیة القضاء، وبدون ھذا الإستقلال لا یمكن للمحاكم أن تنال ثقة المتقاضین  وباعتبار أن النیابة العامة مكونا أساسیا للسلطة القضائیة في مختلف الأنظمة القضائیة ومنھا النظام القضائي المغربي، فإنھا تعد بحق الركیزة الأساسیة لتنفیذ كل سیاسة جنائیة.

وفضلا عن ذلك، فھي الأداة الفعالة للسھر على احترام وسیادة القانون، وصون الحریات العامة، وحمایة النظام العام، والدفاع عن حقوق المجتمع، وأن مواجھة ھذه المھام الجسیمة تقتضي أن یكون قضاة النیابة العامة على أعلى درجات من الوعي بمسؤولیتھم، وعلى قدر كبیر من الحزم في مباشرة أعمالھم، مسلحین في ذلك بأسلوب عمل واضح وفعال"، ذلك أن القضاء " مھنة شریفة، محاطة بجلیل الأعمال، وبقدسیة الواجبات الملقاة على عاتق القضاة، الذین علیھم التحلي بالحكمة والصبر والتضحیة، والحس المرھف، والفراسة المتأصلة، والإدراك الفطري، إلى جانب الھیبة في مجلس القضاء، والھدوء وسعة الصدر في الاستماع، والشجاعة في الحكم، والاستقلال في الرأي"

كما أن مجرد الاعتراف بكون النیابة یعتبر حیفا بالمتھم عامة كجھاز ینتصب على أساس أنھ طرف أصلي في الدعوى العمومیة، وخصما في تلك الدعوى یعتبر امتیاز وضمانة أساسیة للحقوق والحریات، وإن كان البعض یعتبرھا حیفا في حق المتھم. كما أن النیابة العامة بالرجوع إلى نص المادة 17 من قانون المسطرة الجنائیة المغربي الذي جاء فیھا "توضع الشرطة القضائیة في دائرة نفوذ كل محكمة استئناف تحت سلطة الوكیل العام للملك ومراقبة الغرفة الجنحیة بمحكمة الإستئناف.

ولعل تعزیز وتقویة النیابة العامة في قضاء الأسرة، مرده الأھمیة البالغة التي تكتسیھا مدونة الأسرة، باعتبارھا تھم جمیع فئات المجتمع، مھما كانت مراكزھا الأسریة والقانونیة والاجتماعیة، حتى قالوا " إن الإجماع یكاد یكون منعقدا بین المتتبعین للشأن القانوني المغربي، بأن مدونة الأسرة ھي القانون الأكثر استئثارا بالاھتمام، رغم صدورھا في وقت متقارب مع صدور ق .م.ج، ومدونة الشغل، بالرغم مما لھذین الأخیرین من آثار مھمة بشأن المحاكمة العادلة، والاستثمار والسلم الاجتماعي "

عموما، فإن النیابة العامة تلعب دورا مھما بالنسبة للمھام التي تقوم بھا الضابطة في سیر الدعوى العمومیة ومباشرتھا من خلال البحث التمھیدي المنجز من طرفھ، ذلك أن الضابطة القضائیة تباشر مھامھا من خلال الإشراف المباشر للنیابة العامة ومراقبة ھاته الأخیرة لأعمالھا وتوجیھھا وإعطاء التعلیمات المتطلبة قانونا لھا، أما مباشرة أو عن طریق المراسلات الكتابیة أو الھاتف.

 

 

أھمیة الموضوع: 

إن البحث في أي موضوع مھما كانت طبیعتھ لھ من أھمیة ماكان، سواء من ناحیة العلمیة أو العملیة، ونفس الأمر بالنسبة لموضوع دور النیابة العامة في حمایة الحقوق والحریات الأساسیة.

فمن الناحیة العلمیة .

تتجلى أھمیة موضوع " دور النیابة العامة في حمایة الحقوق والحریات " على مستویین الجنائي والأسري فیما یلي :

تبرز أھمیة الموضوع من ھذه الناحیة في كون النیابة العامة اتخذت موقعا استراتیجیا مھما ضمن نظام العدالة الجنائیة، حیث أصبحت تقوم بأدوار مختلفة لم تكن تعرفھا من قبل، إذ كانت مھمتھا بصورة عامة تتمثل بالملاحقة الجنائیة بطریقة آلیة، إلا أنھا أصبحت الیوم تمارس صلاحیات قضائیة، ومن بین الأدوار المھمة للنیابة العامة الیوم حمایة الحقوق والحریات الأساسیة لیس فقط أثناء توجیھ الإتھام، ولكن أثناء جمیع المراحل الجنائیة، كون تلك المراحل تشكل في حیاة أي مواطن حدثا غیرعادي، سواء كان متھما أو ضحیة، وبالتالي فھو بحاجة لحمایة حقوقھ الأساسیة حتى لا تھدر نتیجة جھلھ بتلك المسالك .

ومن ھنا تأتي أھمیة دور النیابة العامة في حمایة الحقوق والحریات، كونھا أول جھة یواجھا الفرد عند توجیھ أیة تھمة جنائیة، سیما إذا أدركنا