مستجدات

الحكامة القضائية وسياسة الدولة في القضاء(تحميل)


 


كان القضاء ولا زال من أبرز مظاهر السلطة فهو مرتبط بالدولة وجودا وعدما رغم كل التحولات التي قد تتعرض لها، وعلى اختلاف أشكالها والأنظمة السياسية التي تعتمدها، فالقضاء له وظيفة أساسية في المجتمع يجمع عليها الكل، إذ يسهر على تكريس السلم والأمن الاجتماعيين من خلال المحافظة على الاستقرار والتوازن بين كافة مكونات المجتمع وذلك بتطبيق القانون المنبثق عن الارادة الجماعية، فهو بذلك يعتبر الحارس الطبيعي لحقوق الأفراد وحرياتهم، حاملا بذلك لواء الحق والعدل وحاميا للديموقراطية وسيادة القانون باعتباره إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها دولة الحق والقانون.

ونتيجة لهذا الدور الكبير الذي يضطلع به مرفق القضاء والذي جعله موضع اهتمام كبير ومراقبة لكل ما يصدر عنه باعتباره المرآة التي تبرز واقع الديموقراطية والدفاع عن الحقوق والحريات، سعت الدول إلى وضع مجموعة من السياسات تعتمد على أسس الحكامة الجيدة والتي تهدف الى تدبيره والسهر على أداء خدمته على الوجه المطلوب حماية للحقوق والحريات وتكريسا لدولة الحق والقانون.

فمفهوم سياسات الدولة على هذا النحو يقصد به مجموع التدابير والاستراتيجيات والأعمال والتوجهات المتخذة لتدبير القضاء، سواء تعلق الأمر بإصلاحه أو بتحديثه والتي يتم تنفيذها من خلال الاعتماد على أسس الحكامة الجيدة والتي تعني تنفيذ هذه السياسات وفق أنماط  تسير وتدبير معقلنة  ورشيدة لتحقيق الفعالية والنجاعة في النظم القضائية والرفع من مستوى الجودة في الخدمات، وهي ممارسة لا تتم الا بتوحيد الجهود من أجل تحسين الأداء  وتوافر أركانها المتمثلة في الشفافية والفعالية وحسن التدبير والتقييم والتتبع للرقي بأداء الادارة القضائية.

والمغرب شأنه في ذلك شأن باقي دول العالم، جعل القضاء من أولوياته، حيث تم تكريس ذلك عبر مجموعة من السياسات :

فمع بداية عهد الحماية سنة 1912 اتجهت سياسة المستعمر إلى عصرنة جهاز القضاء المغربي حيث عرف التنظيم القضائي تعدد أنواع المحاكم من شرعية وعصرية ودولية، وهو ما شكل مساسا بمبدأ وحدة القضاء، علاوة على أنه خص الأجانب بمحاكم غير المحاكم التي يتقاضى فيها المغاربة،كما عرفت هذه الفترة وضع ترسانة قانونية حرص فيها المشرع –آنذاك- على مراعاة مبادئ الـشريعة الإسـلامية، وطُبقت فعلا مساطر قضائية لم تكنُ تحقق المساواة بين الأفراد. 

وبحصول المغرب على الاستقلال توجهت سياسة الدولة إلى تثبيت مبادئ السيادة الوطنية من خلال إلغاء مجموعة من المحاكم التي خلفها الاستعمار  ؛ تأسيس المجلس الأعلى سنة 1957 تحريرا للقضاء المغربي من التبعية لرقابة محكمة النقض الفرنسية على الأحكام المغربية ، وبصدور أول دستور للمملكة سنة 1962 اتجهت إرادة المشرع الدستوري إلى ضمان استقلال القضاء، حيث تمثل ذلك في تخصيصه الباب السادس منه لاستقلال القضاء كجهاز عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وهو توجه تعززبإصدار قانون التوحيد والمغربة والتعريب سنة 1965 حيث اتجهت سياسة الدولة من خلاله إلى توحيد المحاكم  واقتصار مهمة القاضي على الحاملين للجنسية المغربية دون غيرهم، وذلك بإصدار قانون المغربة والتوحيد، حيث تم توحيد جميع المحاكم المغربية باستثناء المحكمة العسكرية والمحكمة العليا للعدل.

وقد تم الحفاظ على نفس التوجه مع دستور 1972 الذي تلاه إصلاح سنة 1974 الذي جاء استكمالا لسياسة الاصلاح التي نهجتها الدولة المغربية،إذ شكل محطة بارزة في هذا المسلسل، تمثل في إصدار مجموعة من القوانين مست التنظيم القضائي المغربي ، كان الهدف الأساس منها التنظيم الهيكلي للقضاء وتقريب القضاء من المتقاضين وتبسيط إجراءات المسطرة وسرعة البت في المنازعات..

وشهد مطلع التسعينيات بداية صحوة حول ما آلت إليه أوضاع العدالة عموما والقضاء على وجه الخصوص، ويمكن اعتبار الخطاب الملكي للملك الراحل الحسن الثاني الافتتاحي والتأسيسي للمجلس الاستشاري لحقوق الانسان بتاريخ 8/5/1990 لبنة جوهرية في صيرورة بناء دولة الحق والقانون التي يعتبر القضاء أحد أركانها الأساسية، فمن بين ما أشار إليه جلالته ضرورة ضمان حقوق المواطنين وحتى من أدينوا في المحاكم ليكونوا في مأمن من (...) التعسفات، كما أشار إلى واجب الدولة والنظام القضائي تمكين المواطن من كرامته . ولاعتبارات سياسية داخلية ورغبة في النهوض بوضعية حقوق الإنسان في جانبها القضائي ولاسيما في الجانب المرتبط بالقضاء الإداري، تم تأسيس المحاكم الإدارية سنة 1993 ومحاكم الاستئناف الإدارية سنة 2006، في  حين تم تأسيس المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية والغرفة التجارية بمحكمة النقض سنة 1997 إستجابة لطلب الأبناك والمقاولات وبعض المكاتب الاستشارية بغية تحسين مناخ الأعمال  وتشجيع الاستثمار ببلدنا ومواكبة للمستجدات التي طالت الترسانة القانونية لعالم المقاولات وقانون الأعمال ، كما تم تأسيس أقسام قضاء الأسرة سنة 2004 تفعيلا للتعديل الذي عرفته مدونة الاسرة سنة 2003 .

ومع اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، استمر اهتمام المؤسسة الملكية  بإصلاح القضاء "... فإن عزمنا وطيد كذلك على ترسيخ دولة الحق والقانون ...، وعلى إصلاح للقضاء"،

  واستمرت توجيهات جلالته في تحديد الخطوط العريضة لاصلاح القضاء مرورا بمجموعة من الخطب الملكية :خطاب العرش 30 يوليوز 2007؛ خطاب افتتاح الدورة البرلمانية 12 أكتوبر 2007؛ خطاب 20 غشت  الذي حدد من خلاله جلالته ست نقاط أساسية من شانها توطيد الثقة والمصداقية في قضاء فعال ومنصف؛ الخطاب الملكي الملقى بمناسبة حفل تنصيب اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور بتاريخ 9 مارس 2011 والذي أكد فيه جلالته "الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة"؛ الخطاب الملكي الملقى بمناسبة الاعلان عن مشروع الدستور بتاريخ 17 يونيو 2011 

إذ أكد فيه جلالته "ترسيخ سلطة قضائية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية" و " إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية، كمؤسسة دستورية (...) وتمكينها من الاستقلال الإداري والمالي(...) تعزيز تركيبة المجلس الجديد(..) توسيع اختصاصات المجلس"

ليأتي دستور 2011 مكرسا لهذه التوجهات ومشكلا النواة الأساسية لترسيخ معالم الحكامة القضائية، وذلك من خلال ما جاء في الباب السابع منه، حيث ارتقى بالقضاء الى سلطة مستقلة بذاتها عن باقي السلط الأخرى علاوة على دسترة حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة؛ الخطاب الملكي الملقى بمناسبة تنصيب أعضاء الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة بتاريخ 8 ماي 2012.

 أما في بعض التجارب المقارنة نجد أن العديد من الدول كذلك انصبت جهودها على وضع سياسات تروم اصلاح القضاء،ففي فرنسا مثلا وتعزيزا لضمانات الولوج إلى العدالة أعلنت وزيرة العدل Elisabeth Guigou في خطابها الحكومي بتاريخ 29 أكتوبر 1997 وصول المواطنين  إلى العدالة في الوقت المناسب وعلى قدم المساواة، حيث تم تحقيق هذا الهدف عبر تقليص المسافات بين المواطنين، والمسافات الزمنية المرتبطة بالتأخر المفرط للبت في القضايا، وبالتدرج وضعت تدابير ترمي إلى خلق أساليب مبسطة لتسوية المنازعات، وتوسيع نطاق المساعدة القانونية من خلال قاونو 18 دجنبر 1998، لتمكين المواطنين من معرفة حقوقهم وواجباتهم، والوسائل المتبعة في ممارسة تلك الحقوق، عبر مراكز خاصة للولوج إلى القانون أو ما يعرف بمنازل العدالة والقانون.

أما  بالنسبة لاسبانبا فقد عرفت سياسة الدولة تطورا مهما ابتدءا من سنة 1978 إلى سنة 2009، تمثلت في :

 إحداث المجلس العام للسلطة القضائية؛

المساعدة القانونية المجانية؛

مراجعة الخريطة القضائية بهدف القرب من المواطن وترشيد الموارد؛

اعتماد التخصص القضائي : قضاء الأسرة، القضاء التجاري، قضاء محارية العنف ضد المرأة؛

 تحديث منظومة العدالة باستعمال التكنولوجيا الحديثة؛

 سد الخصاص في الموارد البشرية.

في حين نجد أن سنغافورة عملت على تحديث الإدارة القضائية من خلال إرساء مقومات المحكمة الرقمية حيث تعد أول من شرعت في تطبيق النظام القضائي الإلكتروني وذلك بأنشاء أول محكمة إلكترونية سنة 2002، وتقوم فكرة المحكمة الإلكترونية بسنغافورة على أساس عدم حضور الأطراف أو أحدهما إلى المحكمة لرفع القضية ومتابعتها، فالمطلوب أن يقدم كل منهما عنوانه البريدي الشبكي وعنوانه الحقيقي في منزله أو شركته، وذلك بالتوجه نحو موقع المحكمة، وملء الاستمارة الخاصة بتقديم الشكوى، واقتراح ما يراه من حل، والتعرف على رقم قضيته الإلكترونية، وتتسلم المحكمة الطلب، لتبعث به للطرف الأخر الذي يدعي أن له حقا عنده، وخلال 3 أيام تعلمه المحكمة بالحقائق المقدمة ضده.

وهكذا يكتسي موضوعنا أهمية بالغة تكمن أساسا في كونه من أبرز المواضيع المطروحة للنقاش سواء على المستوى الوطني أو الدولي هذا من جهة، ومن جهة أخرى لارتباطه بمنظومة العدالة ببلادنا، على اعتبار أن إصلاح هذه المنظومة عموما والقضاء على وجه الخصوص يتطلب تدخل الدولة من خلال وضع استراتيجيات وتدابير فعالة تكريسا للحكامة القضائية من أجل دعم مسارات التحول الديموقراطي الذي تعرفه بلادنا تحقيقا للأمن القانوني والقضائي.

 فإلى أي حد تمكنت الدولة من خلال سياستها القضائية  من الاستجابة لمتطلبات تكريس مفهوم الحكامة داخل القضاء؟

يمكن القول إن سياسة الدولة  باختلاف مرجعياتها وبما تضمنته من خطط واستراتيجيات تروم النهوض بالقضاء حققتبعض المكتسبات والنتائج، إلا أنها لم تصل بعد إلى تحقيق الحكامة القضائية بالنظر لما شاب تنزيل بعض الخطط والاستراتيجيات من صعوبات وإكراهات.

وسنحاول تناول هذا الموضوع من خلال التقسيم التالي :

 المبحث الأول :مرجعيات سياسة الدولة في مرفق القضاء

 المبحث الثاني :تقييم تكريس سياسة الدولة في القضاء للحكامة القضائية



   بناء على ما سبق يمكن القول إن الدولة سعت إلى بناء نظام قضائي قوامه العدل والقانون والتعاون والتوازن بين مختلف المؤسسات المكونة للجسم القضائي بالمغرب، وذلك من خلال وضع نظام قانوني يتزعمه الدستور، ثم القوانين التنظيمية التي جاءت لتفصيل أحكامه المتعلقة بمفهوم السلطة القضائية بالمغرب، وعلى رأسها النظام الأساسي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، والقانون المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفة رئيسا للنيابة العامة، وكلها قوانين تروم تحديد الاختصاصات الموكولة لكل مؤسسة بما يتلاءم ومفهوم استقلال السلطة القضائية.

  فاعتبار القضاء سلطة هو ضرورة من ضرورات الدولة القانونية، وهو الضمان الأساسي للحريات وهو كذلك الضمان الأساسي لأداء الوظيفة القضائية ذاتها التي من المفروض أن تحقق للمواطن حاجياته وتمكينه من الوسائل التي تسمح له بممارسة حقه في الولوج إلى العدالة بصورة فعلية، وإزالة الحواجز التي تحول بينه وبين ممارسة هذا الحق. 

   وما دامت الدولة مسؤولة  عن حفظ وضمان حقوق المواطن فيقع عليها حمل اعتماد نظام قضائي ناجع وعقلاني يستجيب لمتطلبات الحكامة الجيدة التي أساسها حسن الأداء والنجاعة والفعالية والتخليق في المنظومة القضائية، فضلا عن وضع آليات تمكن من تقريب القضاء من المتقاضين، وتخصيصه بإمكانيات لوجيستيكية وبشرية تتلاءم والمفهوم الحديث للمرفق القضائي. وعليه يتعين على الدولة أن تستمر في العمل على إصلاح المنظومة القانونية والقضائية لتحقيق هذه الأهداف، وذلك من خلال مجموعة من الإشارات التي يمكن التنبيه إليها  وهي كالأتي:

على المستوى  التشريعي:

   -ينبغي التسريع في إخراج بعض القوانين إلى حيز التطبيق  من بينها قانون المسطرة الجنائية لتحديد بعض الاختصاصات القضائية التي لازالت موكولة لوزير العدل، كتعيينه لقاضي التحقيق بالمحاكم الابتدائية؛

   -التسريع في إخراج قانون المسطرة المدنية الجديد إلى حيز التنفيذ لقطع دابر الممتنعين عن تنفيذ الأحكام القضائية،

  -الإسراع بإخراج القانون المنظم للمفتشية العامة للشؤون القضائية على مستوى المجلس الأعلى للسلطة القضائية

أما على المستوى التنظيمي والهيكلي يتعين: 

-أن يتم تأهيل الموارد البشرية لقطاع العدالة وذلك باعتماد استراتيجية إلزامية التكوين المستمر لكل أعضاء مرفق العدالة؛

-التنصيص على استقلالية كتابة الضبط في العمل باعتبارها مؤسسة ثالثة إلى جانب هيئة الحكم والنيابة العامة

-استكمال عصرنة الجهاز القضائي بإدماجه في مجال المعلوميات والتكنولوجيا الحديثة؛

-تحقيق الانسجام بين التقسيم الإداري للمملكة و التنظيم القضائي؛

-الرفع من عدد المحاكم المتخصصة؛

-اعتماد تصاميم عمرانية عصرية في بناء المحاكم تتناسب وهبة المرفق القضائي.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -