مستجدات

مهنة النساخة القضائية بين النص والواقع(تحميل)

 




لا يخفى على أحد ما للتوثيق العدلي من دور فعال  في  ضبط العلاقات المالية للمتعاقدين واستقرار المعاملات، و ما له من أهمية في حفظ الحقوق و تسهيل مهمة القاضي عبر تحضير وسائل الإثبات التي تمكنه من فض المنازعات و الفصل في الخصومات، بالإضافة  إلى إسهامه في تنشيط الحركة الاقتصادية و الاجتماعية و العقارية عبر تحفيز الاستثمار بنوعيه الوطني و الدولي. أهداف هامة ما كانت لتتحقق لولا تدخل  ثلاثة فاعلين لتحريك مسطرة التوثيق؛ فإلى جانب قاضي التوثيق و العدول يوجد الناسخ الذي يساهم في عملية التوثيق  العدلي من خلال ما أسنده إليه القانون من اختصاصات، مما يحق معه القول أن النساخة القضائية  تعتبر -حتى الآن-  إحدى المهن المساعدة للقضاء في أداء مهمته و المؤثرة سلبا أو إيجابا في المشهد القضائي. فما المقصود بالنساخة القضائية ؟

النسخ لغة مصدر لفعل نسخ ينسخ نسخا و ناسخ و منسوخ، و يأتي النسخ في اللغة كما جاء في المعاجم اللغوية على معنيين: 

- المعنى الأول يفيد الإزالة والإعدام و اصطلاحا يراد به الرفع لفظا و حكما كنسخ ذبح إسماعيل بالفداء. و في هذا الإطار عرف ابن قدامى  النسخ الشرعي بأنه " رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ " لما ينطوي عليه ذلك من حكمة الشارع بأن علم صلاح عباده بتشريع حكم في زمان ، و نسخه عنهم في زمان آخر حسب علماء أصول الفقه ، فتبعا لتغير الأوقات و الظروف  وجب  تغير الأحكام، استنادا إلى قوله تعالى  (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ، الم تعلم أن الله على كل شيء قدير).

-  و المعنى الثاني هو النقل والتحويل، فيقال نسخ أو انتسخ كتابا أو مخطوطة أو وثيقة لحفظها لديه أي نقلها بحذافيرها، فهو ناسخ و ناسخة للمؤنث و الجمع ناسخون وناسخات و نساخ و هم محترفي نسخ الكتب والمكاتبات وغيرها.

و منه أيضا استنسخ واستنساخ أي اكتتب كتابا عن كتاب حرفا بحرف و أثبته نصا أو وثيقة النسخ، و المكتوب عنه نسخة لأنه قام مقامه، و الكاتب ناسخ و منتسخ.

و من هذا المعنى في التنزيل قوله جل و علا ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) أي نستنسخ ما تكتب الحفظة فيثبت عند الله تعالى، و في التهذيب أي نأمر بنسخه و إثباته.

أما النساخة القضائية و هو الموضوع الذي نحن بصدد البحث فيه، فلم يرد في القانون 49.00 تعريف لها، إنما يستفاد مما ذكره المشرع في معرض حديثه عن اختصاصات الناسخ  ما يدل على نفس الم؛عنى السابق بيانه ، إذ لا يخرج عن معنى الحفظ والتثبيت ما نصت عليه المادة 11  من " تضمين بخط اليد وطبق الأصل " للشهادة المحررة من طرف عدليين و كذا "استخراج" نسخ الشهادات المضمنة و المخاطب عليها من قاضي التوثيق بما يضمن الحفاظ على العقود المنجزة قصد الرجوع إليها عند الاقتضاء.

 و من حيث التنظيم القانوني للنساخة، لا بد من الإشارة إلى التردد التشريعي في هذا المجال، إذ لم تعرف النساخة استقرارا و لم تنظم بصفة قانونية كمهنة إلا حديثا مع صياغة القانون رقم 49.00 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.01.124 بتاريخ 29 من ربيع الأول 1422 الموافق  22 يونيو 2001 ، والمرسوم رقم 2.01.2825 الصادر في 19 يونيو 2002 بتطبيق أحكام قانون 49.00. فإلى غاية هذا التاريخ ظلت النساخة موجودة في الواقع وفي بعض النصوص القانونية  ذات الصلة بخطة العدالة ليس إلا، ولقد مرت بمراحل :

أ- مرحلة المشاعة في التضمين (ما قبل سنة 1982)

و هي مرحلة تميزت بتعدد الأطراف المضمنة بخط اليد بسجلات التضمين ( كتاب الضبط، أعوان، عدول، متطوعين "نساخ") نتج عنه بطء و تعقيد .

ب- مرحلة نظام النظائر واستمرار المشاعة (ما بين1982 و1993)

 وضع المشرع خلال هذه المرحلة نظائر داخل المحكمة، و رغم  تسريع  الانجاز لحد ما ، و التخلص من روتين كثرة التوقيعات في التضمين، إلا أن غياب الإطار القانوني المحدد لجهة وحيدة تمسك النظائر و تحفظها تحت عهدتها و تتابع جنائيا و تأديبيا عند إخلالها بواجبها جعل سلبيات هذه المرحلة  تفوق ايجابياتها مما دفع  بالمشرع إلى الرجوع إلى آليات المرحلة الأولى.

ج- مرحلة الرجوع إلى نظام التضمين المشاع (ما بعد سنة 1993 إلى سنة 2001)

عاد المشرع إلى نظام التضمين عن طريق كتابة الوثيقة العدلية مرة أخرى في سجلات التضمين بالمحكمة، لكن - وتكرارا لما حصل في المرحلة السابقة - دون تحديد للجهة المسؤولة  قانونا عن مسك تلك السجلات و تضمين العقود داخلها، الشيء الذي خلق جوا من

الفوضى و العشوائية كان ضحيتها المواطن، فانعكس ذلك سلبا على صورة المحكمة و مؤسسة التوثيق العدلي، و هو الخطأ الذي حاول المشرع تداركه عندما أقدم على إخراج  للوجود القانون رقم 49.00 المتعلق بتنظيم مهنة النساخة المغربية، الذي بموجبه أصبح الناسخ يتمتع  بوضع قانوني ، كما يعتبر هذا القانون بما جاء به من مكتسبات تجسيدا لالتفاتة من وزارة العدل لطالما انتظرها ممارسو هذه المهنة ؛ فقد نص على الشروط  اللازمة لولوج مهنة النساخة ، و حدد الاختصاصات الموكولة للناسخ و كذا حقوقه وواجباته ، كما وضع ضوابط لممارسة المهنة بأن أخضع الناسخ فيما يزاوله من عمل للمراقبة، ورتب عليه جزاءات تأديبية عند إخلاله بواجباته المهنية مع تعيين الجهات الموكول لها توقيعها. غير أن قانون 49.00 في المقابل و فضلا عما شابته من عيوب، سرعان ما اثبت بإبقائه على طريقة عمل متجاوزة في " تدبير و حفظ  العقود العدلية"  عدم مسايرة مقتضياته لمفهوم التحول النوعي الذي يشهده مرفق العدالة عامة و مجال التوثيق خاصة، وما يقتضيه هذا المفهوم من تحديث لأساليب عمل الإدارة القضائية و عصرنة للمهن الحرة بغية تحقيق السرعة في انجاز العمل و توفير الوقت و الجهد.

وبالرجوع إلى نفس القانون يلاحظ أن المشرع و خلافا لباقي المهن القانونية و القضائية، لم يحدد للنساخة صفة ولم يعترف صراحة بالناسخ مساعدا للقاضي في أداء مهمته، هذا مع إن إرادة مشرع قانون 49.00  قد اتجهت ، كما يبدو، إلى جعل مهنة النساخة لصيقة بخطة العدالة، بل و الناسخ يزاول مهنته بمقر المحكمة الابتدائية المعين في دائرتها (المادة 2) بقضاء الأسرة قريبا من قاضي التوثيق، فضلا عن تعيينه بقرار من وزارة العدل و الحريات و أدائه لليمين قبل شروعه في عمله كما هو منصوص عليه في المادتين 8 و9 من نفس القانون. كما إن النساخة  القضائية رغم ممارستها بمرفق عمومي، وتقيد الناسخ بالتوقيت الإداري للعمل،  فهي ليست بوظيفة عمومية حسب مقتضيات قانون الوظيفة العمومية، ولا هي بمهنة حرة مستقلة، طالما يخضع الناسخ لرقابة القاضي المكلف بالتوثيق طبقا للمادتين 22 و 23  من قانون 49.00 ، بالإضافة إلى رقابة الوزارة الوصية.

فالحق  يقال  لا يمكن إنكار و لا تبخيس الدور التاريخي للناسخ والمتمثل في حفظ  نسخ العقود العدلية ، غير إن هذه المهنة العريقة على أهميتها تشكل الحلقة الأضعف واقعا وقانونا ضمن منظومة العدالة ، و أسلوب عمل تقليدي يجعل مسطرة التوثيق  العدلي تتسم بالبطء و التعقيد ناهيك عن إمكانية إتلاف النسخ و من تم ضياع الحقوق ، هذا في وقت غدا فيه إصلاح القضاء و انفتاحه على الثورة التقنية خيارا استراتيجيا ، وأمرا لابد منه  من أجل الارتقاء به إلى  مستوى تطلعات  المواطنين، ولمواجهة تحديات العصر و ما تفرضه في مجال العدالة  بما فيها التوثيق من سرعة و جودة في الخدمات بما يتلاءم و المعايير الدولية، و يستجيب لمتطلبات التنافسية الاقتصادية، ما يبرر الرؤية الجديدة بشأن مهنة النساخة و المتمثلة في كون هذه الأخيرة أصبحت متجاوزة أمام التوجه نحو تحقيق العدالة الالكترونية. رؤية عبرت عنها وزارة العدل و الحريات في العديد من المناسبات توجت بتقرير أنجزته في الموضوع  مديرية الشؤون المدنية  للوزارة و الذي عملت من خلاله على تشخيص للمهنة و المهنيين بداية من توتر العلاقة بين النساخ و العدول، لينتهي إلى ما  تقدم به الطرفان  (الهيئة الوطنية للعدول والرابطة الوطنية للنساخة ) من حلول مقترحة  بشأن  مستقبل النساخة . هكذا خلصت وزراة العدل والحريات  إلى  الخيار بين تصورين ؛ فإما الإبقاء على النساخة مع تطويرها بتغيير القانون المنظم لها و تعديل القوانين  ذات الصلة ، أو الاستغناء عنها بصفة نهائية و تبني النظام المعلوماتي في التوثيق ، الأمر الذي يبدو أن ميثاق إصلاح العدالة  قد حسم  فيه من خلال الإجراء 344 المتعلق بتحديث الإدارة القضائية[8]، لكن دون أن يتعرض الميثاق لمصير النساخ باعتبارهم منتمين إلى أسرة القضاء في إطار تأكيده على تقوية القدرات المؤسسية لمنظومة العدالة، وتأهيل المهن القضائية و القانونية  كإحدى الأهداف الرئيسية التي سطرها الميثاق لرفع من نجاعة القضاء.

من هنا تأتي أهمية الموضوع، و يحق التساؤل إذا حول  مستقبل مهنة يعتبرها  البعض عرقلة للسير العادي لمسطرة  التوثيق، و ينظمها قانون لا يرقى إلى مستوى التحديات المستقبلية في مجال القضاء الالكتروني. مهنة تعرف أزمة في علاقتها مع خطة العدالة،  تزداد تعقيدا مع  توالي إضرابات النساخ و ما ينتج عن  ذلك من تعطيل لمصالح المرتقين. فهل يتعين الإبقاء على المهنة مع تحديثها بما يتماشى و تطوير التوثيق العدلي، أم إلغاؤها مع ما يترتب عن هكذا قرار من أثار ذات صلة بالأداء القضائي و بممارسي النساخة على حد سواء ، و ما يطرحه من إشكالية  ضمان حقوق  هذه الفئة من مساعدي القضاء بمختلف أعمارها و مؤهلاتها العلمية؟

جوابا على هذا التساؤل،  يفترض أن جل المؤشرات تدل على أن خيار الإبقاء على مهنة النساخة لم يعد ينسجم مع فكرة إرساء مقومات العدالة الالكترونية ضمانا لدقة و تسريع خدمات مرفق العدالة و الذي يعتبر التوثيق جزءا لا يتجزأ منه، و بالتالي يرجح خيار الاستغناء عن النساخة القضائية كحل أمثل لتفادي عرقلة الأداء  القضائي على الوجه الأمثل، على أن يراعى العنصر البشري.

انطلاقا من هذه الفرضية نحاول مقاربة  وضعية النساخة  من الناحية القانونية و الواقعية  استنادا إلى ما توفر لنا من معطيات ذات الصلة، و على ضوء القانون رقم 49.00 المؤطر للمهنة،   لنرى ما إذا كان هذا الأخير قد أولى لهذه المهنة حقها من حيث التنظيم و ما إذا كان قد استجاب إلى تطلعات النساخ بتحقيق الضمانات اللازمة و توفير الحماية لهم ، ثم نسلط الضوء على سيناريو مستقبل النساخة في ظل إصلاح العدالة و مدى ملائمة الحلول المطروحة  بهذا الشأن مع مضمون خطاب الملك في 20 غشت 2009 الذي نص على إصلاح القضاء و " إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم لمختلف المهن القضائية"  معتمدين التقسيم الأتي:


المبحث الأول: الإطار القانوني لمهنة النساخة

المبحث الثاني: مهنة النساخة بين الواقع والآفاق


مما تقدم يمكن استخلاص ما يلي:

سلبيات القانون 49.00 تفوق ايجابياته وهو قانون لم يستحب لتطلعات مزاولي مهنة النساخة، بل لقد ساهم في تردي وضعهم.

- فمن حيث الاختصاص أسند القانون المذكور اختصاصات للنساخ هي في الأصل اختصاصات للعدول  الشيء الذي ترتب عليه تداخل الاختصاص و صراع بين العدول و النساخ.

أهم ما يؤاخذ على قانون 49.00  هو اعتماده  لوسيلة تقليدية بطيئة في انجاز الوثيقة العدلية الأمر الذي يتعارض ومفهوم التدبير الزمني للقضاء الذي يقتضي حصول المرتفق على وثيقته في زمن قياسي.

- أما من حيث الحقوق فهي جد ضعيفة مقارنة مع ظروف و طبيعة العمل من ذلك:

·                   هزالة التعريفة التي تتقاضاها فئة النساخ مقارنة مع طبيعة العمل .كما  أنه من المفروض أن يتسلم الناسخ الأجر من صاحب  الشهادة و ليس من العدل تفاديا لتبعية الناسخ لهذا الاخير.

·                   غياب الشروط الملائمة لأداء مهامهم، و ظروف عمل لا تليق بمساعدي القضاء.

·                   عدم تمتيع الناسخ  بالحقوق الاجتماعية على غرار باقي المهن القانونية بما فيها التقاعد و الخدمات الاجتماعية،  وانعدام تعميم التغطية الصحية مع أهمية احتمال تعرض نسبة كبيرة من مزاولي المهنة لمخاطر صحية من ضعف للبصر وحساسية بحكم عملهم بأرشيف المحاكم.

·                   خلافا لباقي المهن القانونية و القضائية  نسجل عدم نص القانون على حق الناسخ في الاستفادة من الامتحانات المهنية و الترقية، وبهذا الخصوص يتعين لفت الانتباه إلى ان النساخة لم يشملهم إجراء 171 من الميثاق المتعلق بانخراط  كل المهن القضائية و القانونية  في جهود التحديث و استعمال التكنولوجيا الحديثة في تقديم خدماتها.

·                   ثم غياب النص على إحداث هيئة وطنية للنساخ القضائيين كما هو الحال بالنسبة لباقي المهن الأخرى المنتمية لقطاع العدل.

كانت نتيجة تفاقم الوضع السيئ للنساخ توقفهم  المتكرر عن العمل  كرد فعل لعدم تجاوب وزارة العدل مع مطالبهم.

و كانت الرابطة الوطنية للنساخة تقدمت بتصور لقانون جديد للمهنة يراعي تحديث اليات الاشتغال بما يتلاءم و روح العصر، الا انه في اعتقادنا و بالنظر إلى الحديث عن رقمنة العدالة  اصبحت  فكرة  صياغة قانون جديد للنساخة متجاوزة.

خلصنا إذن أن الإبقاء على مهنة النساخة خيار يتعارض مع أهداف الميثاق و مع تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، وان منطق مسايرة العالم المتجه نحو التحول الرقمي لتعزيز التقة في النظام القضائي يقضي بإلغاء النساخة كخيار مناسب. و انه يتعين الحسم  بسرعة في الوضع المزري للنساخ وفق ما يقتضيه التنزيل الشامل لميثاق منظومة  العدالة .

 ففي انتظار تحقق مشروع الرقمنة في أفق 2020 ،  و في ظل استمرار العمل بالنساخة نرى بأنه من غير المعقول تجاهل حقوق مزاوليها و أن يبقى مصيرهم معلقا على قرار من الوزارة الوصية.

للتحميل المباشر بصيغة pdf

مهنة النساخة بين النص والواقع 49.00 pdf


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -