مستجدات

الاستاذ معاذ فخصي المحامي بالبيضاء يفحم وزير العدل برد قانوني رصين






 علق الاستاذ معاذ فخصي المحامي المتمرن بهيئة المحامين بالدار البيضاء على مداخلة السيد وزير العدل عبد اللطيف وهبي الذي ألقاها بقبة البرلمان منتقدا فيها مطالب السادة المحامون المتمثلة في إلغاء فرض الادلاء بجواز التلقيح للولوج للمحاكم.

حيث علق الاستاذ فخصي قائلا:

"" #رد و تعبير ... على معالي السيد الوزير. 


سلام تام بوجود مولانا الإمام، رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية بمدلول الفصل 56 من الدستور المغربي و المادة 3 من قانون التنظيمي 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، و ضامن استقلال السلطة القضائية بمدلول الفصل 107 من الدستور. 

تحية عطرة للسادة النقباء و قيادمة رسالة المحاماة، و رجالها، رجال سلطة الدفاع المكتسبين للشرعية بسمو الاتفاقيات الدولية، و حجية الفصل 120 من الدستور، و قداسة المادة 1 من القانون 28.08 المتعلق بمهنة المحاماة، بل و جسامة أثر الفصل 31 من قانون المسطرة المدنية.  


و بعد، 

السيد وزير العدل، أحييك أولا على استهلال ردكم بتذكر أصلكم كمحامي، و هو ما كان يجب عليكم استحضاره عند اتخاذ القرار، ليس للخروج عن القانون، بل فقط لمراجعة النفس، و ضبط القواعد، أو على الأقل تهييء الحجة المراد الرد بها على رجال الدفاع، و أذكركم أنه يُرجح دائما الرجوع للأصل الأصيل، لاستجلاء جوهر المشكل، وقد صدق الأصوليون حينما قالوا " الأصل شيء حسي وعقلي مفاده أساس بناء الحكم"، كما أبدعوا في قاعدتهم المعروفة " أن الفرع يتبع الأصل وجودا و عدما" فمهما طال الفرع سيرجع الأصل لا محال. 

أخاطبكم أيها الزميل المحترم بصفتكم عضوا من أعضاء الحكومة المغربية التي يترأسها رئيسكم الإداري و القانوني السيد عزيز أخنوش، و بصفتكم وزيرا للعدل، و بصفتكم أحد الموقعين على الدورية الثلاثية موضوع النقاش و أقول : 

أنني بصفتي محامي متمرن بهيئة المحامين بالدار البيضاء يهمني خطابكم الموجه إلى جسمنا المهني و الذي أعطيتم فيه ردا فيه ما فيه من جمل لغوية منظمة، و تعابير لفظية مقدرة، غير أنني أعتذر منكم و أقول أن مضمونه القانوني خالٍ من أي أُسس صحيحة، و تعارضه المبادئ العامة المعروفة، و القواعد الدستورية المحروسة، بل و يعارضه المرسوم الذي جعلتموه حجة في ردودكم غير المدروسة. 

و بما أن خطابكم سيد الوزير قد كان منقولا على الإذاعة الوطنية، و أن شريط فيديو ردكم قد انتشر على نطاق واسع و ما قد يترتب عن ذلك من تمرير أخطاء لحديثي العهد بالمادة القانونية، فإنني سأحاول تذكير الرأي العام ببعض المبادئ و القواعد لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ... 


1- إن سمو الاتفاقيات الدولية على الدستور و القوانين الداخلية للبلدان أمر قطعي لا نقاش فيه، خاصة تلك الاتفاقيات التي صادق عليها المغرب من دون تحفظ، خاصة أن سن قوانين في حالة الطوارئ الصحية لا يتعارض مع الثوابت الوطنية للدولة، و بذلك فالقواعد المكرسة في الاتفاقيات الدولية و التي تنظم لنا ما يجب احترامه في حالة سن أحكام تتعلق بحالة الطوارئ الصحية تبقى واجبة التطبيق و الاحترام، و تبقى ضابطا قانونيا بمفهوم القانون الذي اعتبرتَه غطاءً واقيا من برد صيحة السادة المحامين في مداخلتك. 

و أنه رجوعا إلى أوضح و أشهر هذه الاتفاقيات المنظمة لهذه الحالة -موضوع النقاش- نجد العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية و خاصة المادة 4 المحيلة على مجموعة من المواد المحددة لضوابط سن مقتضيات استثنائية في حالة الطوارئ يبقى أهمها عدم إجبار إخضاع الأفراد لتجارب صحية، ثم احترام سير عمل المرافق العمومية، و لعلكم ستلاحظون السيد الوزير على أن إصدار دورية تجبر الأفراد على تلقيح تجارب طبية جديدة المعنى و النطاق، ثم توقيف مرفق القضاء بحرمان مرتفقيه و موظفيه و قضاته و سكانه الأولين الدائمين ( السادة المحامين) يضرب ضربا بهذه القواعد الدولية التي تسمو في تراتبيتها عن كل بلاغاتكم و دورياتكم. ( و الأسس الدولية كثيرة و متنوعة ). 

 

2- إن المرسوم بقانون المتعلق بحالة الطوارئ الصحية الذي جهرتم بحجيته أمام نواب الأمة، و المادة 3 منه التي رَتلتم عباراتها ترتيلا، و جعلتموها أساسا لردكم؛ لا و لن تسعفكم في شيء، و أنه كان حريا عليكم أن تكملوا قراءتها إلى نهايتها، فالقانون يقرأُ كاملا لا ناقصا، و الفصول بل و النصوص تكمِل بعضها فما بالك بالفقرات في نفس الفصل. 

و رجوعا للمادة المذكورة نجد أن تلك المراسيم و البلاغات تخص بصفة أحادية الحكومة دون غيرها، فأسند قانون حالة الطوارئ استثناءا للحكومة اتخاذ مجموعة من التدابير عبر آلية المقررات و البلاغات و المناشير التي تنشر و تلزم أصحابها بجزاء قانوني، أما ما تم الاتفاق عنه ثلاثيا، فيتضمن بغض النظر عن الحكومة، خاتم و توقيع الرئيس المنتدب للسلطة القضائية، إضافة إلى الوكيل العام لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، و هي بذلك لا تُأطر ضمن أساس المادة 3 من المرسوم بقانون المتعلق بحالة الطوارئ. 

ثم إنه بالعودة للفقرة الأخيرة من المادة 3 المذكورة نجدها تتضمن بأحرف واضحة مكشوفة غير قابلة للتفكير العميق أن هذه التدابير المتخذة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحول دون استمرار المرافق العمومية الحيوية و التي يعتبر مرفق القضاء أبرزها، مما يتضح معه استحالة الاحتجاج بمستهل نصٍ دون استكمال فقراته و دلالاته، فهل يقبل الحكم القضائي المشمول بالتنفيذ المعجل بقوة القانون إيقافه؟ طبعا لا إذا أكملنا قراءة الفصل 147 من ق.م.م، و هل أعطى الله عز وجل جزاء الويل للمصلي؟ طبعا لا إذا أكملنا قراءة الآية الكريمة دون توقف و قس على ذلك شرعا و قانونا ...


3- إن المُتعمق في فلسفة القانون، و الدارس الجيد لمادة نظرية القانون، و محاور التعددية القانونية و حجية و شرعية تطبيق المبادئ القانونية السامية المعروفة بتسمية "المبادئ العامة"، سيعي بوعي سامي، و اقتناع قانوني صميم أن هناك مجموعة من المبادئ و القواعد العامة الواجبة الاستحضار دائما و أبدا، سواء لدى المشرع في سنه للقانون، أو للقاضي في تحريره للحكم أو للمحامي في إعداده للعرائض و المرافعات؛ و تكون أغلب هذه القواعد و المبادئ منصوص عليها دستوريا، و حتى بعدم النص عليها هناك تبقى واجبة التطبيق، فقاعدة العقد شريعة المتعاقدين، و تنفيذ الالتزام بحسن نية، و حسن النية في التقاضي و غيرها من المبادئ العامة، لا تحتاج لقانون مكتوب لتطبيقها و وجب دائما استحضارها، فما بالك بحقوق الدفاع، و حرية اللجوء إلى مرفق القضاء، و الحق في التقاضي و غيرها من المبادئ المنصوص عليها دستوريا، و المجمع على ضرورة احترامها فلسفيا قانونيا مهما تأزمت الأوضاع، و انتشرت الأوبئة. 


4- إن ما استدليتم به سيد الوزير من قرار للمحكمة الدستورية تحت غطاء "التعاون المشترك" لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقنع أي طالب مبتدء في القانون بأن فصل السلط مبدأ عالمي دستوري، المساس به كالمسيس قبل البناء خلوةً ما بين الرجل و محرماته من النساء، فلا يمكن و نحن دولة قطعت من طريق استقلال القضاء الشيء الكثير، و ناضل على ذلك ملوك و رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، منهم من قضى نحبه، و منهم ملك جليل و رجال أكفاء ينتظرون السمو و الارتقاء بهذا المبدأ القدسي. 

إن القرار المحتج به مختل أولا من حيث الشكل، و أنت محامي وتعرف دور قواعد الشكل في استيفاء الحقوق، فردكم على السادة المحامين يجب أن يكون مرفقا بمراجع القرار المحتج به و تصديره و مرجع نشره لعلنا نجد فيه فقرات عديدة، تبطل كل ما أشرت إليه، تماما كما خلصنا إليه في قراءتكم للمادة 3 من المرسوم بقانون المتعلق بحالة الطوارئ. 

أما من حيث الموضوع فأذكركم سيد الوزير على أنكم تتحدثون عن قرار المحكمة الدستورية عدد 89/19 في الملف عدد 041/19 الصادر بتاريخ 08 فبراير 2019 و هي تبت بشأن دستورية أو عدم دستورية القانون 38.15  المتعلق بالتنظيم القضائي بعد إحالته عليها من طرف رئيس الحكومة تطبيقا للفصل 132 من الدستور، و أن الجملة التي استدليتم بها و المكونة من كلمتين فقط، لا تخص إطلاقا حالة إصدار دورية ثلاثية مع السلطة القضائية و النيابة العامة بشأن منع الدخول للمحاكم إلا بالإدلاء بجواز صحي، بل هي تهم حالة التعاون الإداري و المالي دون التعاون على إصدار بلاغ بمثابة قانون استثنائي خول للحكومة دون غيرها استثناءا، و لأن الشيء بالشيء يذكر، فإن القرار الذي استدليتم به يعتبر حجة ضدكم و دليلا قاطعا على عدم دستورية بلاغكم، و ذلك بنصه على عدم دستورية مجموعة من المقتضيات التي كانت مكرسة في قانون التنظيم القضائي تحت علة خرق مبدأ استقلال السلطة القضائية.


فتحية إجلال و احترام لجناحي العدالة و قطبيها المتينين، دفاعا و قضاءً، و لا عزاء لمن أسقط كل القواعد القدسية، التي و إن توقفت لمدة معينة، فإنها لا تسقط بالتقادم، و ستعود لنا بحجيتها و إلزاميتها مهما طال الزمان، و سيذكر التاريخ كل الرجال الذين ناضلوا على تكريسها باليد أو باللسان أو بالقلب. 

 

أخيرا أقول، صدق قولا من قال :  "إن المرء إذا تعرض للظلم خاصم الظالم إلى القاضي، فإن أنصفه أبرأ ذمتيهما معا في الدنيا، وإن ظلمه خاصمهما المظلوم إلى الله تعالى معا."

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -