مستجدات

تخليق المهن القانونية والقضائية ودوره في إصلاح منظومة العدالة(تحميل)


 

      إن القواعد القانونية التي تؤلف النظام القانوني في كل مجتمع لا يمكن أن تقوم بوظيفتها وتحقق أهدافها من تنظيم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات وتحديدا الحقوق والواجبات، وتقويم السلوك وضبطه إلا بتوفر أفرد المجتمع على القيم الأخلاقية، وتحلي الأفراد بالخصال الحميدة، فالأخلاق تشكل العماد الأساسي لكيان الدولة، وضامن مستقبلها وازدهارها.

      وللأخلاق علاقة وطيدة بالقانون تتجلى من خلال اهتمام المشرع بكيان المجتمع الأخلاقي، وحرصه على تهديب سلوك الفرد والسمو بقيمة الأخلاق إلى عوالم الفضيلة، على أنه مع مشارف الألفية الثالثة تدهورت أخلاقيات المهن بشكل خطير نتيجة تفاعل عدة عوامل خارجية، وداخلية، كشفت أزمة القانون المغربي الأخلاقية.

      وقبل الخوض في واقع تخليق منظومة العدالة، لا بد أولا من تحديد هذا المفهوم، ويقصد بالتخليق لغة الخلاق بمعنى النصيب الوافر من الخير، واصطلاحا هو التبذل الذي تتعرض له مختلف البنى الاجتماعية والذي يمس جميع الفعاليات  في أي  قطاع لتطهيره من كل ممارسة معيبة، أو تصرف مشين أو انحراف أو تجاوز أو فساد بمختلف أشكاله؛ يمس بالمشروعية، و يجعل القطاع المعني  يحيد عن الغرض الذي تم إحداثه من أجله، وهو خدمة الأفراد و الجماعات وتمكينهم مما يخوله القانون لهم، مما  يتأتى باعتماد مرجعية سلوكية، وقيم مؤسسة على الأخلاق، منبثقة من ركائز دينية أو فلسفية راسخة في القدم،

     وواسعة الانتشار وسهلة الإدراك تثني عما هو محضور أو منبوذ وتحثُ على ما هو مستحب ومنشُود.

     ومن التعاريف أيضا التي تم استصدارها في هذا الصدد، تعريف الفقيه بوفلان ( j .P bufflan)،بأن أخلاقيات المهنية هي" العلم الذي يعالج الواجبات التي تفرض على الشخص بحكم ممارسته لمهنة معينة، ويقصد بتقنين الأخلاق مجموعة القواعد التي تحكم سلوك الأشخاص الذين ينتمون إلى مهنة منظمة في شكل نقابات مهنية". ويفهم من هذا التعريف أن قواعد أخلاقيات المهنة مجموعة من الواجبات الأدبية التي تواجه سلوك المهنيين من أجل القيام بواجبهم، وأداء مهنهم بشكل أفضل يخدم مصلحة أصحاب المهن وعملائهم، ويحافظ على شرف المهنة وسمعتها على أساس من الالتزام بالنزاهة والأمانة والخبرة وتقدير المسؤولية. فهي لا تعدو أن تكون موجهات أخلاقيات تهدف إلى تقويم سلوك المهنيين، وتوعيتهم بدورهم المتميز في خدمة المجتمع وتحقيق رفاهيته وتوفير الاستقرار و الحياة الكريمة لأفراده.

     والتخليق هو التزام ذاتي ضمن منظومة شمولية تفرض نسج علاقة نوعية مع الأغيار، في حالات معينة وخلال ممارسات مهنية.

    والتخليق المهني، مفهوم ابتكره الفيلسوف الإنجليزي بنتهام (Bentham)، سنة 1962، ويشكل جزءا من المفهوم العام للتخليق، بحيث ارتبطت مبادئه بمبادئ أخلاقية عامة مثل الشرف، والاستقامة، والنزاهة، وبدأ يظهر مفهوم التخليق في العشرينيات الأخيرة من القرن الميلادي الماضي. إلى أن مبادئ هذا المفهوم هي قديمة قدم التاريخ بحيث يمكن أن نعود إلى الحضارة الإسلامية التي نجدها  نصت على مجموعة من القيم و المبادئ  التي لا يمكن إحصاءها نذكر  من بينها قوله تعالى في سورة النساء " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا "،، ومن  خلال هذه الآية البسيطة في معنياها البليغة نجدها تنُص على الأمانة، فعمل المهني  أمانة على عاتقه، كما نجدها تحثُ على العدل بين الناس،  أيضا من المبادئ التي قعدت لمبادئ تخليق المهن القضائية ما جاء في الأثر عن عمر بن الخطاب الذي وجه رسالة إلى أبي موسى الأشعري عندما ولآه القضاء ومن بين ما ذكر فيها:

    "...فإن القضاء فريضة مُحَكمة وسنة مُتبعة فافهم إذا أذن إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك....،" ونلاحظ من خلال ما تم عرضه، سمو القيم الأخلاقية التي يجب على القاضي الاتصاف بها بحيث تُعتبر هذه المبادئ؛ من المقاصد الكبرى لذين الإسلام، واتمام مكارم الأخلاق في الأمة، بحيث يعتبر التحلي بالأخلاق في الفقه الإسلامي ليس ضربا من ضروب العلوم النظرية كباقي العلوم، وإنما هو عملية وجدانية، لا تكتسب إلى بالتربية والممارسة.

    وأي دراسة عملية ينخرط فيها الباحث إلى ولها أهمية معينة يكون لها دوافع ومبررات تعطي الدافع للباحث لدراسة الموضوع.

  ودوافع اختيارنا لموضوع تخليق منظومة العدالة هو الإحاطة بالموضوع في ظل المرحلة الانتقالية التي تعرفها إصلاح منظومة العدالة[9]، ونظرا لقل الدراسات في هذا الموضوع، بحيث ليس هناك مرجع واحد يؤطر لهذا الموضوع المبادئ الأساسية، اللهم بعض الكتابات الأجنبية بالإضافة على بعض المقالات، والتي هي وإن عالجت الموضوع فهي تعالجه من زاوية مهنة معينة دون التقعيد لمبادئ وأسس يمكن أن تنبني عليها تخليق منظومة العدالة. 

       والأهمية العملية للموضوع تتمثل في الحصول على حلول لتخليق منظومة العدالة في ظل ما يعرفه الواقع العملي من ممارسات لا أخلاقية، والتعقيدات التي تواجه المواطن في علاقته مع المهنيين والمرافق العمومية.

ونظراً لأهمية الموضوع، يمكن الانطلاق من إشكالية محورية تتمثل فيما يلي:

ماهي الأسس والمبادئ المنظمة للتخليق وما هي التوصيات والمقترحات التي يمكن بواسطتها تفعيل وترسيخ وتنفيذ تخليق منظومة العدالة بالمغرب.

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات يبقى أبرزها:

·ماهي المبادئ والقواعد التي تُقعد لتخليق منظومة العدالة؟

ما هي الإكراهات التي تعيشها المهن القانونية والقضائية وتأثيرها على منظومة العدالة؟

·ماهي المواصفات التي يجب أن تتصف المهن القضائية والمهن المساعدة للقضاء؟

·ماهي آليات تفعيل وترسيخ التخليق بالمنظومة القانونية؟

·ماهي آليات تنفيذ تخليق منظومة العدالة؟

·ما هي التوصيات التي جاء بها الميثاق فيما يتعلق تخليق منظومة العدالة؟

·وما التوصيات والمقترحات التي يمكن بوسطتها الرقي بتخليق منظومة العدالة؟

ومعالجة الموضوع تقتضي منا تقسيمه حسب التصميم الاتي :

 المبحث الأول: الأحكام العامة لقواعد التخليق

المبحث الثاني: توصيات واقتراحات إصلاح منظومة العدالة وآليات تفعيل وترسيخ وتنفيذ التخليق بالمنظومة القضائية



ومزجا لكل ما تم التوصل إليه يمكن القول أن المراد بإحلال أخلاقيات المهنة، هو إرساء قواعد تشعر المواطن على الخصوص بأن الجهة المعنية أحدثت للإصغاء إليه، و لحماية حقوقه ولمواكبة مساعيه، و تسهيل قضاء مآربه؛ لذلك يقتضي تصرف المسؤول المعني في جميع المراتب و مختلف الدرجات وفق ضوابط تحترم شخصية المرتفق؛ وتجعله مطمئنا في جميع الأحوال على صيانة حقوقه. ومن المفروض تقيُد كل العاملين بالهيئات المعنية بقواعد السلوك، واضعين في الاعتبار حقوق الأغيار المستندة إلى الطابع المطلق لحقوق الانسان بالمفهوم العام. ومع ذلك وخاصة في ظل الظروف والاختلالات التي نلاحظها على مستوى منظومة المهن، نلاحظ عدم تحلي المهنيين بالضوابط القانونية والأخلاقية التي تفرضها عليهم مدونة السلوك الأخلاقي. عجلت بالمشرع المغربي إلى التنصيص عليها في ميثاق إصلاح منظومة العدالة.

إلا أن مسألة التخليق تعتبر بدورها المعضلة الكبرى في إصلاح منظومة العدالة، لتعلقها بالعنصر الأساسي في هذه المنظومة ألا وهو العنصر البشري وعقليته[1]؛ وبأن اخلاقيات كل مهنة رهين قبل كل شيء وبصرف النظر عن كل نص قانوني أو غيره، بمدى إيمان أصحابها بمقوماتها ومدى التزامهم بها. ورهين بحسن النية في التعامل فلا يعقل بأي حال من الأحوال أن تنعكس أثار فساد المجتمع على مكونات المهن القانونية والقضائية، بل الواجب على كافة المهن القضائية أن تقوم كل واحدة فيما يخصها بما أنيط بها من مهام في إطار ما تفرضه أخلاقياتها.

وختاما يبقى لنا أن نؤكد على أهم الأسس والركائز التي يمكن بواسطتها تخليق منظومة العدالة:

·التأكيد على استقلالية القضاء باعتبارها الركيزة الأساسية لحماية الحقوق والحريات؛

·مراقبة التصريح بالممتلكات للقضاة، وكتاب الضبط؛ 

·إنشاء هيئات مشتركة بين المجلس الأعلى للحسابات والمجلس الأعلى للسلطة القضائية للتنسيق في مجال التصريح ومراقبة ثروات موظفي وزارة العدل؛

· اخضاع التأديب الذي يخضع له المهني لهيئات مهنية مختلطة، عبر استحضار القيم والواجبات التي تضبط السلوك المهني في كل مهن منظومة العدالة؛

· تدعيم النزاهة والشفافية في قطاع العدل؛

·الرفع من كفاءة الجهاز القضائي والمساعدين للقضاء؛

·خلق مدونة للسلوك وإعطائها القوة الإلزامية من خلال وضع  الجزاءات المادية لردع المخالفين؛ 

·وضع آليات خاصة بتخليق المهن المساعدة للقضاء؛

·سد الثغرات القانونية والمؤسساتية.



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -