مستجدات

إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الإدارة


 

  

شكل صدور القانون 41.90 قفزة نوعية من أجل ترسيخ مبادئ المشروعية وسيادة القانون حيث أصبحت الدولة شأنها شأن باقي الأفراد خاضعة للقانون وملزمة بتطبيقه. وهذا يقتضي منها احترام  وتنفيذ قوة الأمر المقضي به ما دامت هي المسؤولة على فرض هيبة وقدسية القضاء. فالقضاء الإداري منذ بدايته عمل على إصدار العديد من الأحكام والقرارات القضائية التي أقرت مسؤولية الدولة والمؤسسات العمومية، إلا أن هذه الأحكام والقرارات تبقى في غالب الأحيان عصية عن التنفيذ.

فالتنفيذ هو لحمة الحكم وسداه، إذ لا فائدة للقانون من دون تطبيق، ولا قيمة للحكم من دون نفاذ

 وهو يمثل أهم مرحلة من مراحل التقاضي والتي غالبا ما تكون عسيرة ومضنية وطويلة الأمد، فبدون التنفيذ تصير الأحكام القضائية عديمة الجدوى والفعالية ويفقد الناس ثقتهم في القضاء ويدب اليأس في نفوسهم وتعم الفوضى وينعدم الأمن والاستقرار في المجتمع، ويؤدى الأمر إلى ""تفكير آخر وهو انحلال الدولة"" كما قال الراحل الحسن الثاني رحمه الله.

فبقاء الأحكام والقرارات القضائية دون تنفيذ هو ضرب في مبدأ الشرعية في الدولة، فماذا يجدي أن يجتهد القاضي الإداري في إيجاد الحلول الناجعة بما يتلاءم وصون الحقوق والحريات المشروعة إذا كان أحكامه مصيرها "الموت"، فما يطمح إليه كل متقاض من رفع دعواه لدى القضاء الإداري ليس هو إغناء الاجتهاد القضائي في المادة الإدارية بل استصدار حكم لصالحه يحمي المعتدى عليه من طرف الإدارة مع ترجمة منطوقه على أرض الواقع بتنفيذه[1].

فاحترام الدولة لما يصدر عن السلطة القضائية من أحكام وقرارات هو تعبير عن مدى تقدم الدولة وتطورها، فقد عرضت على رئيس وزراء بريطانيا "ونستون تشرشل" أيام الحرب العالمية الثانية قضية بحكم قضى بمنع تحليق الطائرات العسكرية أثناء انعقاد الجلسات نظرا للإزعاج الذي تسببه، فكان جوابه أن قال:

 ""لا بد من تنفيذ الحكم فإنه أهون أن يكتب التاريخ أن انجلترا هزمت في الحرب من أن يكتب أنها امتنعت عن تنفيذ حكم قضائي""[2]

وتجدر الإشارة إلى أن إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية هي ليست ظاهرة جديدة بل ظاهرة لها امتداد تاريخي حتى في الدول التي تعتبر ديمقراطية وتحترم القانون، ولا أدل على ذلك تلك المقولة المشهورة للرئيس الأمريكي الأسبق جاكسون سنة 1832 لما أصدر قاضي مشهور اسمه مارشار قرارا ضد الدولة فجاء الرئيس الأمريكي وقال: القاضي مارشال أصدر هذا القرار فقولوا له أن ينفذه أن استطاع.

 فبالرغم من جعل تنفيذ الأحكام ملزما للجميع من خلال الفصل  126[3] من الدستور[4]، إلا أن إشكالية امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام الصادرة في مواجهتها لا تزال قائمة رغم الإنخفاظ الملحوظ لنسبها حيث أن نسب المنفذ من الأحكام الصادرة ضد الإدارة انتقلت من 29.26% سنة 2006 إلى 46.02% سنة 2011 لتصل سنة 2016 إلى حوالي 67.27%[5]، وهي نسب تفيد أن هناك جهود حثيثة من طرف كل المعنيين لتجاوز هذه الإشكالية، إلا أنه مع ذلك تبقى قائمة وتخلف آثار سلبية على حقوق المواطنين وتزرع الشك والريبة في مشروعية دولة الحق والقانون.

وخلافا للمشرع المغربي الذي تساهل كثيرا في هذا الموضوع، نجد مجموعة من الدول تعاملت بحزم مع هذه الظاهرة من خلال تجريم الإمتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة كما هو عليه الأمر في مصر من خلال المادة 123 من قانون العقوبات والمعدلة بالقانون رقم 103 لسنة 1952؛ الذي يعاقب بالحبس والعزل لكل موظف عمومي استعمل سلطة وظيفته في وقف تنفيذ الأوامر الصادرة عن الحكومة أو أحكام القوانين واللوائح أو تأخير تحصيل الأموال والرسوم، أو وقف تنفيذ حكم أو أمر صادر من أية جعة مختصة، كذلك يعاقب بالحبس والعزل كل موظف امتنع عمدا عن تنفيذ حكم مما ذكر، بعد مضي ثمانية أيام منذ إنذاره على يد محضر إذا كان تنفيذ الحكم أو الأمر داخلا في اختصاص الموظف.[6]

أما فرنسا فقد عالجت هذه الإشكالية عبر ثلاثة مراحل بدءا بإحداث لجنة التقرير والدراسات سنة 1963 وهي لجنة قضائية على صعيد مجلس الدولة أسندت لها مهمة النظر في تظلمات المواطنين من الصعوبات التي يصادفونها أثناء تنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الدولة في مواجهة الإدارة، إلا أن دورها المحدود وعدم قدرتها على الحد من هذه الظاهرة دفع المشرع الفرنسي لإحداث مؤسسة الوسيط بمقتضى قانون صادر في 3 يناير 1973 والمعدل في دجنبر 1976 والذي خوله سلطة توجيه أوامر للإدارة قصد تنفيذ بعض الأحكام التي امتنعت عن تنفيذها أو كانت سببا في عرقلة تنفيذها. إلا أن هذا لم يمنع الإدارة من التمادي في هذا الامتناع، فلجأ المشرع الفرنسي لاعتماد أسلوب الغرامة التهديدية بمقتضى قانون 16 يوليوز 1980 والتي يمكن أن تمتد إلى الموظف الذي تسبب في عدم التنفيذ وذلك في إطار المسؤولية التأديبية والمالية للموظف من خلال تقديمه لمحكمة التأديب والمحاسبة المالية[7].

وفي المغرب تظل هذه الإشكالية قائمة لعدة أسباب ومبررات الأمر الذي دفع معه القضاء الإداري للاجتهاد وعيا منه بدوره الهام في حماية الحقوق والحريات وضمان نفاذ قوة الأمر المقضي به إضافة لتدخل عدة جهات من خلال العديد من المبادرات للتقليل من هذه الظاهرة.

فما هي أسباب ومظاهر امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها؟ وإلى أي حد ساهم القضاء الإداري والمبادرات القانونية في تجاوز هذه الإشكالية؟

 

للوقوف على حقيقة هذه الإشكالية وأسبابها والحلول المقدمة لتجاوزها سنعمد لتقسيم هذا الموضوع وفق تصميم ثنائي إلى مبحثين وفق الشكل التالي:

المبحث الأول: الأسباب الكامنة وراء امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها وصور هذا الامتناع.

المبحث الثاني: الوسائل والضمانات الممكنة لإجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها.


لتحميل البحث بصيغة pdf 


للنشر على موقعنا المرجو التواصل على البريد الالكتروني التالي newdroit2021@gmail.com



[1] -  محمد قصري، تنفيذ الأحكام الإدارية "الغرامة التهديدية" "الحجز"، مجلة رسالة المحاماة عدد مزدوج 30-31، دجنبر 2009، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع الرباط، ص، 53

[2] - حميد أملال، إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارة الصادرة في مواجهة الإدارة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي الرباط، السنة الجامعية 2008/2009، ص: 2/3

[3] - الفصل 126 من الدستور: "الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع.

يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة، إذا صدر الأمر إليها بذلك ويجب عليها تقديم المساعدة على تنفيذ الأحكام.""

[4] - للمزيد من المعلومات حول التوجهات الدستورية في مجال تنفيذ الأحكام الإدارية، انظر مقال للأستاذ محمد صقلي حسيني، بعنوان : التوجهات الدستورية في مجال تنفيذ الأحكام الإدارية وآفاق تطبيقها.

[5] - في تقرير لمؤسسة الوسيط جاء فيه أنه سنة 2011 توصلت المؤسسة بحوالي 11' شكاية بعدم تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الإدارة أي بنسبة 6% من الأحكام الصادرة في مواجهة الإدارة لم تنفذ، مع العلم أن هذا الرقم يبقى ضئيل مع ما لا يتم تنفيذه خلال السنة والذي لا يصل لعلم هذه المؤسسة، حيث أن اللجوء إليها اختياري فقط وفي غالب الأحيان لا يسفر عن نتائج .

- جمعية عدالة، الأمن القضائي وجودة الأحكام، ص: 77.

[6] -  مصطفى التراب، إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 27، أبريل يونيو 1999، دار النشر المغربية الدار البيضاء، ص: 24.

[7] - الحبيب العطشان، عدم تنفيذ أحكام القضاء الإداري من طرف الإدارة، مجلة القضاء والقانون، العدد 156 سنة 2008، ص: 26/27/28.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -