مستجدات

الإفراغ للاحتياج في عقد الكراء المدني على ضوء القانون 67.12 والعمل القضائي


 


يعد توفير مسكن خاص من أبرز الرغبات الإنسانية لكونه مرتبط بالاستقرار، لذا شكل الحق في السكن مطلبا اجتماعيا للعديد من الحركات الاحتجاجية على مر التاريخ، الأمر الذي دفع بالدول إلى اتخاذ العديد من الإجراءات من أجل ضمانه، حيث كرسته العديد من المواثيق الدولية منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948 في مادته 25[1]، وكذا العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال مادته 11[2]، مما دفع المشرع المغربي إلى إقراره كحق دستوري في المادة 31 من دستور 2011[3] متجاوزا بذلك النقص الذي ساد الدساتير القديمة. لذا أصبح ضمان الحق في السكن توجها أساسيا في المخططات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العديد من الدول.

ويتجسد الحق في السكن، في امتلاك مسكن يأوي الفرد من التشرد، لكن أمام عجز الكثير من الفئات الاجتماعية عن توفير مسكن خاص لها نتيجة ضعف القدرة الشرائية فإنها تضطر إلى إبرام عقود كرائية تشكل بديلا واقعيا للتمتع بهذا الحق.

 إلا أنه أمام اشتداد أزمة السكن نتيجة الحرب العالمية الأولى ونزوح العديد من الأوروبيين نحو المغرب طمعا في الامتيازات التي توفرها لهم سلطات الحماية، إضافة إلى رغبة مشرع فترة الحماية في حماية المكتريين من المضاربين العقاريين فإنه أصدر ظهير 5 ماي 1928 القاضي باتخاذ تدابير وأوامر وقتية بخصوص عقود الكراء الراجعة للمساكن وما شابهها، والذي وصف من خلال تسميته بأنه "لحظي ومؤقت" في انتظار إعداد قانون خاص بالكراء السكني بعيدا عن مقتضيات قانون الالتزامات والعقود الذي يعتبر الشريعة العامة والذي أثبت قصوره عن الإلمام التام بمشاكل السكن ونزاعات الأكرية، إذ عمل هذا الظهير على منح السلطة التقديرية للقضاء في تحديد الأسباب المشروعة للإفراغ دون وضعها على سبيل الحصر، الأمر الذي شكل فراغا تشريعيا أثر سلبا على استقرار العلاقات الكرائية، فعمل الملاك على إغلاق محلاتهم وامتنعوا عن إيجارها تفاديا لمختلف المشاكل والنزاعات، الأمر الذي زاد من تفاقم أزمة السكن، ولتجاوز ذلك عمل المشرع على إصدار ظهير 25 مارس 1941 المتعلق بالعقوبات الواجب تطبيقها ضد الملاك الرافضين إيجار عقاراتهم، ثم ظهير 23 أبريل 1941 وغيرها من الظهائر وصولا لظهير 25 دجنبر1980[4] الذي يعد أبرز تشريع خاص بالكراء السكني والمهني، إذ أتى بعدة مستجدات ذات أهمية كبرى من قبيل التأكيد على أن عقد الكراء لا ينتهي بانتهاء مدته وإنما بتوجيه إشعار بالإفراغ إلى المكتري مبني على أسباب جدية ومشروعة محددة بمقتضى القانون.

إلا أن هذا الظهير قد أوغل في حماية مصالح المكتري باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة الكرائية خاصة مع بروز فكرة حماية المستهلك، الأمر الذي هدد مصالح المكري في استرداد ملكه عند حاجته إليه، رغم خضوعه لبعض التعديلات بمقتضى القانونين 63.99 و64.99 إذ لم يستطع مواكبة نزاعات الأكرية بالشكل المطلوب في إطار تدعيم الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية لعقد الكراء المدني. مما دفع المشرع إلى سن القانون 67.12[5] الذي عوض القانون 6.79 لتجاوز مختلف هذه الإشكالات. حيث أتى بمجموعة من المستجدات لعل أبرزها تطبيق هذا القانون على عقود الكراء الخاضعة لشكليات الإبرام المنصوص عليها في المادة الثالثة منه، بالإضافة إلى جمع شتات العديد من القوانين الخاصة بالكراء المدني في مدونة جديدة وإدخال العديد من التعديلات المهمة عليها.

وتعتبر إشكالية إنهاء عقد الكراء أبرز إشكال يعالجه قانون الكراء السكني والمهني، لكونه يحمل آثارا بالغة الأهمية بالنسبة لطرفي العلاقة الكرائية، إذ أن إنهاء الرابطة القانونية بين المكري والمكتري لا تبدو بتلك البساطة الإجرائية التي يتم إتباعها في باقي العقود، خصوصا إذا علمنا أن المشرع ظل مقيدا بضرورة التوفيق بين مصالح المكري وحقوق المكتري أثناء إنهاء العقد، ولعل هذا راجع إلى التصادم الحاصل بين حق الملكية كأبرز الحقوق العينية من جهة، وحق السكن كحق شخصي من جهة ثانية؛ إذ أن ضمان أحدهما لا يكون إلا على حساب الآخر خاصة وأن كليهما مضمونان دستوريا.[6] وأمام هذه الأهمية أفرد المشرع لإنهاء عقد الكراء بابا خاصا به ضمن القانون 67.12 وهو الباب السابع الذي حدد فيه المشرع الأسباب الجدية والمشروعة لإنهاء العلاقة الكرائية على سبيل الحصر تفاديا لتعنت المكري في المطالبة بالإفراغ لأي سبب حتى لو كان تافها، وجعل أهمها الإفراغ لاحتياج المكري أو زوجه أو أحد أقاربه المحددين على سبيل الحصر، والذي يعتبر موضوعا لهذا البحث.

 فالإفراغ للاحتياج هو ذلك الطلب الذي يهدف من خلاله المكري إلى إنهاء عقد الكراء الذي يربطه بالمكتري نظرا لحاجته لهذا السكن بسبب تغير ظروفه العائلية أو الصحية أو بفعل تغير ظروف عمله أو دراسة أبنائه إلى غير ذلك من مظاهر الاحتياج التي يمكن للمكري الدفع بها اعتبارا لكونه الأولى بالانتفاع بملكه من الغير.

وقد حصرنا دراسة هذه الإشكالية في عقد الكراء المدني[7] وذلك تحديدا لنطاق البحث وتمييزا له عن عقد الكراء التجاري المنظم بمقتضى القانون 49.16. إلا أن الإفراغ الذي نعنيه في هذا السياق هو المنصب على الأماكن المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني والذي يكون بناء على دعوى قضائية بتصحيح الإشعار بالإفراغ وبالتالي لا يدخل في نطاق الدراسة حالات الإفراغ التي تتم بشكل حبي بين الأطراف.

وسنحاول من خلال صفحات هذا البحث المتواضع أن نعالج الإشكاليات التي تطرحها قضية الإفراغ للاحتياج وذلك من خلال الإجابة عن إشكالية جوهرية وهي: 

كيف عمل المشرع والقضاء المغربيين على التوفيق بين مصالح المكري في استرجاع ملكه وبين حق المكتري في الاستقرار بالمسكن من خلال القانون 67.12؟

إلا أن هذه الإشكالية الجوهرية تتفرع عنها عدة تساؤلات فرعية من قبيل: كيف صاغ المشرع حماية الطرفين في ميدان يسود فيه سلطان الإرادة؟ وهل تم ذلك على حساب نظرية العقد والالتزامات التبادلية؟ وكيف تعامل القضاء مع هذه المقتضيات الجديدة التي نزل بها المشرع إلى ساحة العدالة في السنوات الأولى من تطبيق القانون 67.12؟ وما هو نطاق تطبيق القواعد المتعلقة بالإفراغ لحاجة المكري للسكن؟ وأين تتجسد صور الاحتياج المبرر التي يمكن الاستناد عليها؟ ثم ماذا عن التدابير والإجراءات سواء منها القضائية أو غير القضائية الواجب إتباعها لبلوغ الإفراغ؟

وتماشيا مع إشكالية الموضوع فإننا نفترض أن رهان التوفيق بين مصالح المكري وحقوق المكتري هو أمر صعب المنال تشريعيا وعمليا، لأن تكريس ضمانة للمكتري لن يكون إلا على حساب المكري والعكس صحيح، ولذا فإن كل ضمان أو مصلحة مقررة لأحد طرفي العقد ستكون على حساب الآخر.


اعتبارا لما تقدم ومن أجل الإجابة عن الإشكاليات والتساؤلات التي يطرحها موضوع البحث فإن الأمر يقتضي منا تقسيمه إلى فصلين وفق التصميم التالي:

 

الفصل الأول: الإفراغ للاحتياج ضوابطه وصوره.

الفصل الثاني: المسطرة المتبعة لبلوغ الإفراغ من المحل المؤجر.


إن مشاكل الكراء السكني والمهني عامة وقضايا الإفراغ للاحتياج خاصة تعد من المشاكل المعقدة والمركبة التي امتلأت بها رفوف المحاكم، إذ لا يمكن للتشريع مهما كان فعالا وموفقا في بلوغ الأهداف المرسومة له أن يحقق النجاح المطلق ويُوجِد الحل لكل النزاعات المرتبطة بالموضوع، كما لا يمكن للقاضي مهما كان مجدا في التكييف الصحيح للنازلة الموضوعة أمامه أن يوجد الحل الصواب المرضي لكلا طرفي العلاقة الكرائية؛ إذ لابد له أن يحكم لصالح أحدهم على حساب الآخر تبعا لوقائع كل نازلة على حدة، إلا أنه ومع ذلك سيظل مقيدا بالضوابط التي أتى بها المشرع في إقرار الإفراغ لاحتياج المكري وحصر نطاقه في حاجة المكري أو زوجه أو أحد أصوله أو فروعه المباشرين من الدرجة الأولى أو المستفيدون من الوصية الواجبة أو المكفول طبقا للقانون 15.01. كما يجب أن يتقيد طالب الإفراغ بصور الاحتياج المشروعة والمدعمة بوسائل إثبات لا يتسرب إليها الشك، إضافة إلى أنه يتعين على الأطراف سلوك المساطر اللازمة لتوجيه الإشعار بالإفراغ وتصحيحه عند الاقتضاء إلى حين صدور الحكم بالإفراغ وتقدير التعويض عنه لصالح المكتري.

لكن المهم في هذه الدراسة هو ما عكسته من ضمانات تشريعية تحمي طرفي العلاقة الكرائية؛ حيث عمل المشرع من خلال القانون الجديد للكراء السكني والمهني على خلق موازنة بين مصالح المكري وحقوق المكتري. فبخصوص الضمانات الممنوحة للمكري خول له المشرع الحق في استرداد ملكه من المكتري متى جدَّت له حاجة ملحة للسكن به، إضافة إلى تخفيض مهلة الإشعار بالإفراغ من ثلاثة أشهر بموجب القانون القديم إلى الشهرين بمقتضى 67.12، هذا دون ننسى تقليص مدة التملك الموجبة للإفراغ من ثلاث سنوات إلى 18 شهرا تفاديا لطول المدة الذي قد يضر بمصالح المكري، كما وسع من دائرة الأشخاص المستفيدين من الإفراغ بإضافة زوج المكري والمكفول، وسمح له كذلك باللجوء للقضاء من أجل الحكم بالإفراغ في حالة تعنت المكتري بعد توجيه الإشعار. أما بالنسبة للضمانات المكفولة للمكتري فتتجلى في حمايته من أي مطالبة مفاجئة بالإفراغ حيث لا يكون ذلك إلا بناء على سبب جدي ومشروع مع توجيه إشعار بالإفراغ ومنحه مهلة الشهرين التي تفيد المكتري في ترتيب أموره، غير أن الضمانة الأكبر للمكتري تتجسد في التعويضات المقررة له عقب إنهاء العقد والحكم بالإفراغ.

وبدراستنا لمختلف المقتضيات الخاصة بالإفراغ للاحتياج يتبين أنها وإن حاولت التوفيق قدر الإمكان بين مصالح الطرفين إلا أن مجموعة من الإشكالات لا تزال مطروحة بهذا الخصوص:

ü    حيث إن إقدام المشرع على تخفيض مدة التملك المخولة لطلب الإفراغ من شأنه أن يسهل الطريق على الملاك الجدد الذين يشترون العقارات المثقلة بالمكترين للمضاربة على حقوق المنتفعين بالعين المأجورة.

ü     كما نؤاخذ على المشرع المغربي مسألة مهمة ترتبط بالتنفيذ الجبري للحكم القاضي بالإفراغ حيث أن أمر الاستعانة بالقوة العمومية يظل مرتبطا بالحصول على ترخيص من السلطة المحلية التي تملك حق رفض منح الترخيص إذا لم ترى في ذلك مصلحة، وبالتالي الضرب في القوة التنفيذية للحكم القضائي.

ü     بالإضافة إلى أن المشرع لم يحدد المدة التي يجب اعتبارها للقول بأن المكري لم ينفذ السبب المزعوم من طرفه في الأشعار.

ومن أجل العمل على تجاوز كل هذه الإشكالات فإننا نقترح ما يلي:

ü    مراجعة مدة التملك وحصرها في سنتين عوض سنة ونصف زيادة في حماية المكتري، مع الحرص على تسهيل تسخير القوة العمومية في حالة التنفيذ الجبري للحكم القاضي بالإفراغ من أجل تعزيز ثقة الملاك بمؤسسة القضاء باعتبارها ضامنة للحقوق.

ü     إضافة إلى تحديد المدة التي يجب على المكري اعتمار العقار فيها وإلا اعتبر في حكم سيء النية، والأهم من كل هذا ضرورة سعي المشرع إلى خلق مسطرة للصلح بين الطرفين تكون سابقة للمسطرة القضائية من أجل خلق جو من الإنسانية بين طرفي العقد بالنظر لكون غالبية قضايا الإفراغ تكون نتيجة سوء تفاهم أو رغبة في الزيادة من بدل الكراء تفاديا للآثار السلبية للإفراغ.

ü     هذا دون أن ننسى العمل على تبسيط مسطرة التقاضي من أجل تسريع البت في قضايا الإفراغ لكي لا تظل عالقة في جداول الجلسات فتعلق معها مصالح الأطراف وتعطلها.

إذا كان هذا كل ما يمكن قوله عن إشكالية الإفراغ للاحتياج كسبب من أسباب إنهاء عقد الكراء المدني فكيف عمل المشرع على تنظيم باقي الأسباب المخولة للإنهاء عقد الكراء المدني؟


لتحميل البحث بصيغة pdf 

الإفراغ للاحتياج في عقد الكراء المدني بين القانون 67.12 والعمل القضائي


[1] -  تنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948: "لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، ... "

[2] - جاء في مضمون المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: "تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، ... "

[3] - ينص الفصل 31 من الدستور الجديد للمملكة على أنه: "تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، من الحقوق التالية:

- السكن اللائق؛ ... ".

[4] - ظهير شريف رقم 1.80.315 صادر في 17 صفر 1401 (25 دجنبر 1980) يتضمن الأمر بتنفيذ القانون رقم 6.79 بشأن تنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للأماكن المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني، الجريدة الرسمية عدد 3560 بتاريخ 14 ربيع الأول 1401 (21 يناير 1981)، ص: 68. كما تم تعديله بموجب القانون رقم 63.99 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.99.210 بتاريخ 13 جمادى الأولى 1420 (25 أغسطس 1999)، جريدة الرسمية عدد 4732 بتاريخ 26 جمادى الآخرة 1420 (7أكتوبر 1999)، ص: 2448.

[5] - ظهير شريف رقم1.13.111 صادر في 15 محرم 1435 (19 نونبر 2013) بتنفيذ القانون رقم 67.12 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني، الجريدة الرسمية عدد 6208، بتاريخ 24 محرم 1435(28 نونبر 2013)، ص: 7328.

[6] - حق السكن مضمون دستوريا بمقتضى الفصل 31 من الدستور الجديد.

  - وجاء النص على ضمان حق الملكية في إطار الفصل 35 من دستور 2011.

[7] - باعتباره العقد الذي بموجبه يفوت طرف منفعة منقول أو عقار خلال مدة محدد مقابل أجرة معينة يلتزم الطرف الآخر بدفعها له حسبما جاء في الفصل 623 من قانون الالتزامات والعقود.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -