مستجدات

قراءة في النظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط (المرسوم 2.11.473)(تحميل)

 



إن الحديث عن تطوير وتجويد عمل المحاكم دون استحضار العنصر البشري الذي يشكل أساسها لابد و أن يكون مصيره الفشل، وارتباطا بذلك فإن الاهتمام بالعنصر البشري في منظومة العدالة تكوينا و تخليقا وتحفيزا، قد يشكل مفتاحا لإنجاح ذلك.

فبالإضافة إلى الجهاز القضائي، باعتباره محور رئيسي في عمل المحاكم، إلا أن مكانته هذه، لن تكتمل إلا بمساعدة أجهزة أخرى من بينها جهاز كتابة الضبط، حيث إن نظام عمل المحاكم وطرق سيره مرتبط بالأساس بالدور الذي تضطلع به كتابة الضبط، والذي يعتبر حجر الزاوية في بناء هذه المحاكم.

هكذا، فقد شهدت الحضارات القديمة مؤسسة كتابة الضبط، ففي الحضارة اليونانية كانت وظيفة هذه المؤسسة - أي كتابة الضبط - تعرف باسم : « scrib » وقد كانت مهمته هي الكتابة والنسخ، ولم يكن يقبل في شغل هذه الوظيفة إلا من كان مواطنا حرا مخلصا، وله أهلية معترف بها ويجب أن يتمتع بتقدير العامة.

وقد عرفت أيضا الحضارة المصرية القديمة وظيفة كاتب الضبط، وكان هذا الأخير يلعب دورا أساسيا، كما كانت تشترط فيه عدة شروط ومنها: أن يكون متمدرسا ويعرف القراءة والكتابة والحساب، كما كان يتواجد في جميع الإدارات، وكان يمارس بالإضافة إلى وظيفته الأساسية مهام أخرى كالهندسة ومراقبة الأشغال وتحصيل الضرائب حسب القدرات التي يتوفر عليها.

أما كاتب الضبط عند الرومان، فإنه كان يسمى: «tabellio» و«tabularius»، وكان يشترط في كاتب الضبط في الحضارة الرومانية أن يكون مواطنا جديرا بالاحترام وأن يكون مثقفا في القانون والآداب؛ وقد كان يزاول إلى جانب مهمته مهمة التوثيق، حيث كان يحرر العقود بين الأطراف ويحرر الأحكام المنطوق بها ويسلم نسخا منها مقابل دفع الإتاوة.

أما في العصر الوسيط، فقد أصبح هناك تنوع لكتاب الضبط بتنوع المحاكم، ولم تكن لهم نفس المهام ولا نفس الانتماء الاجتماعي؛ وفي ذات العصر عرفت المحاكم تطورا كبيرا وبدأت وظيفة كاتب الضبط تعرف بشكل أفضل، وأصبح يشترط فيه معرفة الكتابة والتمتع بأخلاق حسنة، فقررت الكنيسة نظاما يقضي بحفظ مكتوبات كاتب الضبط في أرشيفات، ابتداء من نهاية القرن الثالث عشر الميلادي

وفي أواسط القرن السادس عشر تمت التفرقة بين مهمة كاتب الضبط والتوثيق؛ وبعد هذه المرحلة وبالضبط بعد الثورة الفرنسية، أصبح يُمَيَّزُ بين نوعين من كتاب الضبط، كتاب الضبط الرؤساء وهم الذين يسيرون كتابات الضبط ذات الأهمية، وهناك كتاب الضبط الرسميون يعينون في كتابة الضبط ذات أهمية قليلة ويقومون بتسيير هذه المصلحة

وفي مرحلة ما بين عهد الإصلاح والجمهورية الخامسة، بدأت ملامح التعيير وأصبح كاتب الضبط شخصا من أشخاص القانون الخاص ويعمل في قطاع عام، وهو قطاع العدل، حيث أصبح يسمى موظفا عموميا ووزاريا، كما تم إرجاع وظيفة كتابة الضبط الرئيس سنة 1930م

وفي أواسط القرن العشرين وبموجب قانون 1948/03/20 تم تمكين النساء من ولوج وظيفة كتاب الضبط في محكمة النقض الفرنسية؛ كما تم تعديل الشواهد الواجب الحصول عليها لولوج وظيفة كتاب الضبط، حيث يجب الحصول على الإجازة في الحقوق أو ما يعادلها أو الحصول على شهادة من المدرسة الوطنية للإدارة، وفي سنة 1974 تم خلق مدرسة وطنية لكتابات الضبط يوجد مقرها بمدينة Dijon.

وفي المغرب، وبالضبط أثناء فترة الحماية،  فقد اعتبر قانون المسطرة المدنية، آنذاك، كأول قانون أخرج مؤسسة كتابة الضبط إلى الوجود، حيث تصمن ثمانية فصول للتعريف بهذه المؤسسة. وفي سنة 1946 نظم المشرع المغربي سلك موظفي كتابة الضبط ووضع نظامهم الأساسي بمقتضى ظهير 1947.

وبعد حصول المغرب على استقلاله، صدر مرسوم بتاريخ 07 دجنبر 1959، توحدت بموجبه النظم الأساسية لموظفي كتابة الضبط بمحاكم المملكة، وفي 26 يناير 1965، صدر الأمر الملكي الذي تم بموجبه توحيد كتابات الضبط وكتابات النيابة العامة بمقتضى المنشورين الوزيرين 222 و223. ثم صدر بعد ذلك المرسوم الملكي بتاريخ 02 فبراير 1967 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي المحاكم.

وفي 13 يوليو 1974 صدر الظهير الشريف بمثابة قانون المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة، ونص في الفصول 2 و6 و10 منه على أن المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف والمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)، تتألف بالإضافة إلى القضاة والنواب من كتابة الضبط وكتابة النيابة العامة.

وخلال سنة 1979 وبعدها، صدرت مجموعة من المناشير تهم التنظيم الهيكلي لكتابة الضبط.وبتاريخ 14 سبتمبر 2011، خرج المشرع بمرسوم رقم 2.11.473 بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط

-       تعريف كتابة الضبط

ويقصد بكتابة الضبط سلك من الموظفين لدى كل محكمة ويتكون هذا السلك من كاتب ضبط رئيس مصلحة يساعده كتاب ضبط وأعوان لهذه الكتابة كما يذهب البعض إلى أن كتابة الضبط والأعوان يقومون بالوظائف القلمية والأعمال الإدارية المنصوص عليها في القانون كقبول الدعوى التي ترد على المحكمة وتقييدها في السجلات المخصصة وتوجيه الاستدعاءات وتصفية الرسوم القضائية وتثبيت ما يصدر عن المحاكم من أحكام وقرارات في محضر الجلسة.

وفي نفس السياق يذهب البعضإلى أن كتاب الضبط يعتبرون موظفين عموميين يخضعون لقانون الوظيفة العمومية وهم من مساعدي القضاء ويضطلعون بعدة مهام مرتبطة بالقضاء.

فكاتب الضبط، يعتبر محور مؤسسة الجهاز القضائي، وتتوزع أعماله بين ما هو قضائي وإداري، وهو كما سبق الذكر موظف عمومي يقوم بعدة مهام ويقع على عاتقه تسيير جهاز كتابة الضبط كجهاز إداري تابع للدولة، فاكتسابه صفة الموظف العمومي تجعله يضطلع بعدة أعباء ويتحمل عدة مسؤوليات لأنه يعمل في خدمة الدولة لأداء مصلحة عامة للأفراد.

والدولة لن تتمكن من إدارة مرافقها (المحكمة) وتوفير الخدمات لمواطنيها إلا عن طريق موظفيها العموميين، ومن بينهم بطبيعة الحال كتاب الضبط الذين تستعين بهم الدولة لإدارة مرفق العدل.

ويعرف بعض الفقه الوظيفة العمومية بأنها:((مجموعة من الواجبات والاختصاصات التي تسندها السلطة المختصة إلى من تتوفر فيهم شروط تقلدها)).

أما الموظف العمومي فهو ((ذلك الشخص الذي يشغل الوظيفة بما لها من حقوق، وما عليها من واجبات في إطار ضوابط وقواعد قانونية محددة))؛ ولا يخرج كاتب الضبط عما جاء في التعريف السابق، حيث إنه لابد أن تتوفر فيه بعض الشروط ليعتبر موظفا عموميا.

وتجدر الإشارة أن كاتب الضبط يخضعون إلى نصوص خاصة، بالإضافة إلى  مرسوم رقم 2.11.473 صادر في 15 من شوال 1432 (14 سبتمبر 2011) بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط.

-       أهمية الموضوع

وتتجلى أهمية الموضوع في ارتباط جهاز كتابة الضبط ارتباطا وثيقا بجهاز القضاء، إذ يكفي لمعرفة هذه الأهمية، تصور عمل القضاة والمحاكم بصفة عامة دون وجود جهاز كتابة الضبط؛ كما تبرز الأهمية أيضا من خلال مكانة كاتب الضبط في مسطرة التقاضي من أولها إلى آخر مرحلة فيها، وأثر عمله على هذه المسطرة، باعتباره أول من يستقبل المتقاضي وهو يلج ردهات المحاكم، وهو الذي يفتح الملف أول مرة ويسهر في جميع المراحل على عملية الضبط والتوثيق، كما أن كتابة الضبط هي التي تسهر على توزيع الحقوق وإيصالها إلى أصحابها، لذلك يستحق هذا الموضوع البحث والدراسة.

وتهدف دراسة هذا الموضوع إلى الإحاطة بمؤسسة كتابة الضبط، من خلال بيان تنظيمها القانوني والهيكلي، وكذا المهام المنوطة بهذا الجهاز، بالإضافة إلى الدور والمكانة الذين تحظى بهما، وذلك كله وفق المقاربة التقنية والموضوعاتية التحليلية لهذا الموضوع.

لذلك، بعد هذا التقديم، يثار التساؤل وفق الإشكالية التالية:

   إلى أي مدى تمكن جهاز كتابة الضبط بتنظيمه القانوني والهيكلي، من إبراز أهميته داخل مرفق القضاء، وكذا المهام المنوطة به؟

لمحاولة وضع مقاربة لهذه الإشكالية، ارتأينا التقسيم التالي:

 المبحث الأول: التنظيم القانوني لجهاز كتابة الضبط والشروط المتطلبة للعمل فيه.

 المبحث الثاني: التنظيم الهيكلي لجهاز كتابة الضبط ومهامه.


للتحميل المباشر بصيغة pdf

قراءة في النظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط


في ختام هذا البحث، الذي تم من خلاله  دراسة جهاز كتابة الضبط  سواء من حيث تنظيمه القانوني والهيكلي، أو من حيث الشروط المتطلبة قانونا للولوج إلى هذه المهنة  والمهام التي تضطلع بها، يتضح  بجلاء مدى أهمية هذا الجهاز باعتباره مكونا أساسيا و رئيسا إلى جانب القضاء، فهو بمثابة المسير للعملية القضائية والعمود الفقري الذي يقوم بأغلب الإجراءات؛ فكما تمت التأكيد عليه آنفا، لمعرفة هذه المكانة الغاية في الأهمية، التي تحتلها كتابة الضبط، يكفي تصور عمل المحاكم والجهاز القضائي دونها.

فجهاز كتابة الضبط ببساطة، يعد اليد الإجرائية للسلطة القضائية، وهو الوسيط بين القضاء والمتقاضين، وتمثل كتابة الضبط لدى محاكم المملكة دورا أساسيا في مختلف مراحل الدعوى وفي جميع الأعمال التوثيقية، وهو ما يجعلها المساعد الأول للقضاء، بحيث يولد بين يديها الملف ويغلق، وهي التي تسهر على تنفيذ ما تأمر به المحكمة أو تحكم به، كما تحرص على سلامة تلك الإجراءات وتتقيد بجميع التواريخ المحددة، والعديد من الأدوار الهامة والرئيسة والتي يصعب عدها.

لذا، فجهاز كتابة الضبط، اسم على مسمى، ضابطا بالمعنى الحرفي للعملية القضائية وعمل المحاكم عامة.

و تجدر الاشارة أن هذه الهيئة تحتل دورا طلائعيا في العمل القضائي، رغم أنها ما زالت تعاني من حيف على جميع المستويات التشريعية و التنظيمية في القانون المغربي، عكس ما علية الأمر في التشريعات المقارنة.

وفيما يلي، الإشارة إلى أهم الملاحظات التي أثارها البحث والتحليل في هذا الموضوع؛ وهي:

§      عدم التنصيص على استقلالية كتابة الضبط في العمل باعتبارها مؤسسة ثالثة إلى جانب هيئة الحكم و النيابة العامة.

§      اعتبار كاتب الضبط كاتبا للقاضي، حيث إن المشرع مازال ينظر إليه ككاتب لقاضي التحقيق في قانون المسطرة الجنائية

§      غياب مدرسة وطنية متخصصة في تكوين أطر كتابة الضبط على ما هو معمول به في التشريع الفرنسي.

§      غياب سياسة فعالة في مجال التكوين والتمرين والعمل وقلة المدة المخصصة لذلك، بل انعدامها أحيانا.

§      ضعف المستوى التعليمي للعديد من المكونات البشرية لمصلحة كتابة الضبط.

§      عدم توضيح اختصاصات رئيس كتابة الضبط على مستوى التدبير وبخصوص الموارد البشرية و تدخل المسؤولين القضائيين في مهام كتابة الضبط بشكل مباشر.

§      الازدواجية في كتابة الضبط بين رئاسة المحكمة و نيابتها العامة، عكس ما نهجته بعض التشريعات المقارنة من قبيل فرنسا وبلجيكا.

§      من حيث البنيات التحتية، تحسين مكاتب ومقار كتاب الضبط، سواء من حيث المساحة، أو من حيث التجهيزات والمعدات والأدوات، بل حتى من حيث عدد الموظفين.

وعليه، يظل هذا الجهاز رغم النواقص التي تشوبه، جهازا فاعلا في المنظومة القضائية؛ مما يصح معه التشاؤل حول مستقبل وآفاق جهاز كتابة الضبط، إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار المقترحات أعلاه؟ وإلى أي حد تم الأخذ بعين الاعتبار جهاز كتابة الضبط في الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة؟


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -